الموساد الثقافي .. حين يتغيّر الإنسان دون أن ينتبه
بقلم الكاتب: أعراب خالد
الدولة: الجزائر
لا أحد يقتحم بيتك اليوم، ولا أحد يفرض عليك شيئا بالقوة، ومع ذلك هناك
شيء يتغيّر فيك بهدوء دون ضجيج. أفكارك لم تعد كما كانت، ذوقك تغير، حتى نظرتك للأشياء
أصبحت مختلفة، وكأنك تنسحب من نفسك تدريجيا دون أن تشعر. ليس الأمر فجائيًا، ولا صادمًا،
بل يحدث على مراحل صغيرة، تكاد لا ترى، لكنها تتراكم حتى تصنع فيك إنسانا آخر.
هذا ما أسميه "الموساد الثقافي".
ليس جهازا سريا بالمعنى المعروف، ولا مؤامرة كما يحب البعض أن يتخيل،
هو حالة مستمرة من التأثير. شيء يشبه الهواء، لا تراه لكنك تتنفسه كل يوم. يتسلل إليك
دون استئذان، عبر هاتفك، عبر ما تشاهده، ما تسمعه، وما تعتقد أنه مجرد تسلية عابرة.
مقطع قصير، فكرة خفيفة، نكتة عابرة؛ لكنها تترك أثرا لا يُرى في لحظته.
المشكلة ليست في الانفتاح، ولا في التعرف على ثقافات أخرى، فالعالم اليوم
مفتوح شئنا أم أبينا. المشكلة تبدأ حين نفقد قدرتنا على التمييز، حين نستهلك كل شيء
دون أن نسأل أنفسنا؛
هل يشبهنا هذا؟
هل يمثلنا فعلًا؟
أم أننا فقط ننجرف مع ما هو سائد لأننا لا نريد أن نبدو مختلفين؟
في وقت ما، كان الإنسان يجبر على التغيير بالقوة و بالخوف. اليوم فرض
عليه هو من يغير نفسه بيده، ويدافع عن هذا التغيير دون أن يفهم سببه الحقيقي. يهاجم
لغته، عاداته وتقاليده، ويسخر من تاريخه، يستبدل قناعاته بأفكار جاهزة "رائجة" لأنها تمنحه شعورا بالانتماء
لعالم أكبر.
لا أحد قال له افعل ذلك، لكنه فعله، وربما أقنع نفسه أنه اختار هذا الطريق
بحرية كاملة. وهنا تكمن الخطورة.
الموساد الثقافي لا يسرق منك شيئا بشكل مباشر، يجعلك تتركه بيدك. لا يقول
لك من تكون، يجعلك تنسى من كنت. لا يفرض عليك شكلا معينا للحياة، بل يجعلك تستهين بكل
ما كنت تراه نجاحا مهما في السابق. ومع الوقت، تجد نفسك نسخة مشوشة، لا أنت متمسك بما
كنت عليه، ولا أنت مقتنع بما صرت إليه.
والأخطر من ذلك، أنك قد تدافع عن هذا التحول، وتهاجم كل من يحاول أن يذكرك
بما كنت عليه، وكأن العودة إلى الجذور أصبحت تهمة، أو علامة على التخلف في نظر البعض.
نحن لا نعيش مؤامرة بقدر ما نعيش حالة غفلة جماعية. غفلة تجعلنا نستهلك
الأفكار كما نستهلك الصور والفيديوهات، دون تمحيص، دون وعي، دون أن نمنح أنفسنا لحظة
تفكير نسأل فيها؛ إلى أين نحن ذاهبون؟
المعركة اليوم ليست بين دول، بل داخل كل واحد منا. بين ما نؤمن به، وما
يُدفع إلينا كل يوم على أنه الحقيقة. بين الفهم والتلقّي، بين أن نكون أنفسنا، أو مجرد
نسخ متشابهة في عالم ليس عالمنا الذي أتينا لأجله.
ربما لا نستطيع إيقاف هذا التيار الجارف، وربما لا يمكننا الانعزال عنه،
لكن على الأقل يمكننا أن ننتبه، أن نعيد طرح الأسئلة، وأن نحافظ على جزء من وعينا حيا
لا يُستلب بسهولة. لأن أخطر خسارة ليست أن تُهزم، أن تتغير دون أن تدرك أنك تغيرت.

إرسال تعليق