U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

مجرم بداخلي بقلم الكاتب خالد أعراب الجزائر


مجرم بداخلي

بقلم الكاتب خالد أعراب

الجزائر

 

ليس كل مجرم يحمل أداة حادة، ولا كل قاتل يترك دما، فبعض الجرائم تُرتكب في الخفاء داخل النفس، بلا شهود وبلا محاضر امنية، لكنها تخلّف خرابا أعمق من أي جريمة في الشارع. داخل كل واحد منا نسخة خفية قادرة على التبرير والتزييف وإعادة صياغة الخطأ حتى يبدو مقبولًا بل أحيانًا ضروريًا.

 

المجرم الذي يسكننا لا يقتحم البنوك، لكنه يقتحم ضمائرنا، لا يطلق الرصاص، لكنه يختصر الناس في لحظة، ويدينهم دون أن يمنحهم حق الدفاع. هو ذلك الصوت الذي يبرر الكذب حين تضيق الحيل، ويجمّل الخيانة حين تشتد الحاجة

 

هذا المجرم لا يعمل أبدا في العلن، بل في الظل، يرتدي أقنعة متنوعة؛ مرة يتحدث باسم المنطق، ومرة باسم الدين، ومرة باسم المصلحة العامة، وفي أحيان كثيرة يتقمص دور الضحية ليُعفي نفسه من أي مساءلة. يقول لك إن العالم قاسٍ فلا تكن أضعف منه، ويهمس أن الفرصة لا تنتظر المترددين، ويقنعك أن الانزلاق البسيط لن يغيّر شيئًا.

 

هكذا تبدأ الجريمة الحقيقية، لا حين نخالف القانون، بل حين نعتاد تبرير المخالفة، وحين يصبح الخطأ خيارًا سهلًا لا يوقظ فينا قلقًا ولا ندمًا. الأخطر من السقوط هو الاعتياد عليه، لأن الاعتياد يحوّل الانحراف إلى سلوك عادي، بل إلى مهارة يتقنها الإنسان دون أن يشعر.

 

لسنا أبرياء تمامًا كما نحب أن نعتقد، ولسنا مجرمين كما نخشى أن نُوصف، نحن كائنات تتأرجح بين الاثنين، لكن الفارق الحقيقي يصنعه الموقف من ذلك الصوت الداخلي، هل نصدقه أم نحاسبه، هل نمنحه القيادة أم نضع له حدودًا.

 

إن الاعتراف بوجود هذا المجرم ليس ضعفًا بل وعي، ومراقبته ليست شكًا بل يقظة، ومقاومته ليست مثالية بل ضرورة أخلاقية. فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب المجرمين الظاهرين، بل بسبب أولئك الذين سمحوا للمجرم الداخلي أن يقودهم بصمت حتى تآكلت القيم من الداخل.

 

الخطر الأكبر ليس في من يكسر القانون أمامنا، بل في من يكسره داخلنا دون أن نراه، لأن هذا النوع من الجرائم لا يترك أثرًا على الأرض، بل يتركه في الإنسان نفسه.

 

فاسأل نفسك بصدق، حين تختار، من الذي يتخذ القرار في داخلك، ضميرك أم ذلك الكامن.


 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة