قراءة في قصيدة "عشق مسموم" للشاعر رشيد أكديد بقلم
الدكتور أحمد البيطار
«عشقٌ مسموم» قصيدة تقوم على المفارقة المركزية بين الحب والأذى؛ فالعشق
الذي يفترض أن يكون دواءً يتحول إلى داء، والمحبوبة التي كانت ملاذًا تصبح جلادًا.
ومن هنا يأتي العنوان موفقًا؛ لأنه يلخص التجربة كلها في تركيب واحد: حبٌّ يحمل في
داخله نقيضه.
يفتتح الشاعر بقوله:
«عشقك كان الداء وكنت السهاد
ما رق قلبك لحالي وصرت الجلاد»
منذ المطلع تتأسس علاقة الألم: العاشق مريض، والمحبوبة سبب المرض، ثم
تتحول إلى جلاد. وهذه المباشرة في التعبير تمنح النص صدقه العاطفي، وإن كانت الصورة
من الموروث الغزلي المألوف.
ومن أجمل صور القصيدة:
«في عينيك أشواق تحرق أوردتي
ليلك سرمدي وفجرك أضنى الفؤاد»
هنا ينجح الشاعر في بناء مفارقة جميلة بين الليل والفجر؛ فالليل رمز للألم،
والفجر الذي يفترض أن يحمل الخلاص يصبح هو الآخر مصدرًا للعناء. وكأن الشاعر يقول:
حتى الأمل في هذه العلاقة صار مؤلمًا.
أما الصورة:
«كيف ترقصين على نعش أفكاري
تفرحين إن أعلنت حروفي الحداد»
فهي من أكثر صور النص كثافة؛ إذ يتحول الفكر إلى نعش، والكلمات إلى حداد،
والمحبوبة إلى من يرقص فوق الخراب. وهنا تنتقل التجربة من ألم القلب إلى ألم الكتابة
نفسها.
وفي:
«كم شدونا بين أحضان الدجى شعرا
غازلتك تحت القمر وأوفيت المداد»
يستعيد الشاعر الماضي الجميل ليضعه في مواجهة الحاضر المرير. وهذه التقنية
تمنح القصيدة بعدًا دراميًا؛ فالألم يصبح أكثر قسوة حين يأتي بعد ذكرى جميلة.
ثم تأتي صورة العطاء المتبادل، ولكن بصورة ساخرة ومؤلمة:
«أسقيتك كؤوس الغرام وكوز العسل
أسقيتني من غيظك الوعود والأحقاد»
هنا تتجسد العلاقة في ثنائية السقيا: هو يسقي الحب والعسل، وهي تسقي الغيظ
والأحقاد. وهذه من أوضح صور اختلال ميزان العاطفة في القصيدة.
لكن التحول الأهم يأتي في النهاية:
«ما عاد ليلك الطويل سيدتي يعنيني
إن شئت فاختاري المكوث أو البعاد»
ثم: «إني على هجرك عقدت العزم والأمل
والقلب اكتوى بالنار واعتاد الأصفاد»
هنا ينتقل الشاعر من موقع العاشق الموجوع إلى موقع صاحب القرار.
وهذه الحركة هي البناء النفسي الحقيقي للقصيدة:
عشق ألم عتاب استعادة الماضي خيبة مقاومة قرار بالرحيل.
والجميل أن الشاعر لا ينهي القصيدة بعبارة انتقامية، بل بعبارة تحمل نضجًا
مؤلمًا:
«والقلب اكتوى بالنار واعتاد الأصفاد»
فالقلب لم يشفَ تمامًا؛ لقد تعلم التعايش مع ألمه.
فنيًا
تمتلك القصيدة لغة غزلية واضحة وصورًا مألوفة في التراث العاطفي، وتتميز
بوحدة الجو النفسي وتدرج الانفعال. وأقوى ما فيها هو المفارقة بين العشق والعقاب، وبين
العسل والسم، وبين الليل والفجر، وبين الوصل والهجر.
وفي المقابل، كان يمكن للنص أن يصبح أكثر تميزًا لو ابتعد في بعض مواضعه
عن الصور الغزلية الموروثة، ومنح تجربته صورًا أكثر خصوصية تنبع من عالم الشاعر نفسه؛
فالشعر العظيم لا يكتفي بأن يقول إحساسًا صادقًا، وإنما يمنحه صورة لا يستطيع قارئ
آخر أن يتخيلها بالطريقة نفسها.
«عشقٌ مسموم» قصيدة انكسار عاطفي يتظاهر بالقوة.
فالشاعر يقول إنه قرر الرحيل، لكن القصيدة كلها تشهد بأن القرار لم يأتِ
من قلب بارد، بل من قلب احترق طويلًا حتى تعب من الاحتراق.
وأجمل ما يمكن أن يقال عنها:
إنها قصيدة عاشق لم يعد يطلب من محبوبته أن تحبه؛ كل ما يطلبه في النهاية
أن تترك له حق النجاة من حبها.
وهنا يتحول «العشق المسموم» من عنوان للقصيدة إلى حكم كامل على علاقة
أعطت الشاعر من الألم بقدر ما أعطته من الحب.
"عشق مسموم"
عشقك كان الداء وكنت السهاد
ما رق قلبك لحالي وصرت الجلاد
في عينيك أشواق تحرق أوردتي
ليلك سرمدي وفجرك أضنى الفؤاد
كيف ترقصين على نعش أفكاري
تفرحين إن أعلنت حروفي الحداد
والزهر إذا أينع يوما وفاح أريجه
تلعنين سير الأيام وتلبسين السواد
ويحك يا امرأة لم تعاندي غروري
تقطعي أواصري و كنت لك الملاذ
كم شدونا بين أحضان الدجى شعرا
غازلتك تحت القمر وأوفيت المداد
أسقيتك كؤوس الغرام وكوز العسل
أسقيتني من غيظك الوعود والأحقاد
ما عاد ليلك الطويل سيدتي يعنيني
إن شئت فاختاري المكوث أو البعاد
إني على هجرك عقدت العزم والأمل
والقلب اكتوى بالنار واعتاد الأصفاد
رشيد أكديد

إرسال تعليق