تأثير
شخصية المعلم في الانتظام والانضباط المدرسي
بقلم الأديب ناجي جلابي
مقدمة
لا
يتحقق الانتظام والانضباط داخل المدرسة بالقوانين الصارمة وحدها، ولا بالشهادات العلمية
مهما بلغت منزلتها، فقد يحمل المعلم أعلى الدرجات العلمية، ولكنه يعجز عن إدارة قسمه
إذا افتقد الصفات القيادية والإنسانية التي تجعله قدوة لتلاميذه. فالمعلم قائد تربوي
قبل أن يكون ناقلاً للمعرفة، وشخصيته هي المحرك الحقيقي لنجاح العملية التعليمية.
وقد
أشار القرآن الكريم إلى أهمية الرفق وحسن القيادة في قوله تعالى:
﴿فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ
كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
(سورة
آل عمران: 159).
فالقيادة
الناجحة تجمع بين الرحمة والحزم، وبين اللين والانضباط.
أولاً:
الصفات الجسمانية للمعلم
للهيئة
أثر نفسي كبير في نفوس التلاميذ. فالمعلم حسن الهندام، المعتدل في قامته، الواضح في
صوته، الواثق في حركاته، يفرض احترامه دون تكلف. كما أن نبرة الصوت الواضحة، والحركة
الهادئة، والوقفة الواثقة، كلها عناصر تساعد على جذب انتباه المتعلمين وترسيخ النظام
داخل القسم.
وقد
كان رسول الله ﷺ مهيباً في حضوره، حسن الهيئة، فكان إذا تكلم أنصت إليه أصحابه، وإذا
أمرهم امتثلوا لأمره، لأن شخصيته جمعت بين الوقار والرحمة.
ويرى
المربي الأمريكي جون ديوي أن شخصية المعلم وسلوكه اليومي يربيان التلميذ أكثر مما تربيه
الدروس النظرية.
ثانياً:
حب المعلم لتلاميذه
التلميذ
يشعر بمن يحبه، كما يشعر بمن يهمله. والمعلم الذي لا يحمل في قلبه محبة صادقة لتلاميذه
يصعب عليه أن ينجح في رسالته؛ لأن التربية قبل أن تكون تعليماً هي علاقة إنسانية قائمة
على الرحمة والاحترام.
ومن
مظاهر حب التلاميذ:
حسن
معاملتهم.
الإعداد
الجيد للدروس.
المواظبة
وعدم التغيب إلا لعذر.
الاهتمام
بأحوالهم العلمية والاجتماعية.
تشجيعهم
وإدخال الثقة إلى نفوسهم.
قال
رسول الله ﷺ:
«الرَّاحِمُونَ
يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».
وقال
تعالى:
﴿وَقُولُوا
لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (سورة البقرة: 83).
ويرى
ابن خلدون أن الشدة المفرطة في التعليم تورث الكسل والخوف، وتقتل روح الإبداع لدى المتعلم.
ثالثاً:
الحزم والشدة المنضبطة
حسن
المعاملة لا يعني الفوضى، والرحمة لا تعني التسيب. فالمعلم الناجح يجمع بين اللطف والحزم،
ويضع قوانين واضحة يلتزم بها الجميع.
ومن
مظاهر الحزم:
عدم
السماح بالثرثرة أثناء الدرس.
المحافظة
على هيبة القسم.
تطبيق
النظام على الجميع دون استثناء.
إدارة
الوقت بدقة.
فالتلاميذ
بطبيعتهم يحبون المعلم القوي الشخصية، المنظم، الواضح في قراراته.
وقد
قال رسول الله ﷺ:
«إنَّ
اللهَ يحبُّ إذا عمل أحدُكم عملاً أن يُتقِنَه».
والإتقان
يشمل الانضباط في أداء الرسالة التعليمية.
رابعاً:
المحافظة على الهدوء والسيطرة على الأعصاب
الغضب
السريع يهدم هيبة المعلم، ويزرع الخوف بدلاً من الاحترام. أما المعلم المتزن فإنه يعالج
المشكلات بالحكمة، ولا يعاقب لأتفه الأسباب، ولا يرفع صوته إلا عند الحاجة.
ومن
صفاته:
ضبط
الانفعالات.
احترام
مواعيده.
عدم
تأجيل الأعمال.
معالجة
الأخطاء بالحكمة والتدرج.
قال
تعالى:
﴿وَالْكَاظِمِينَ
الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (سورة آل عمران: 134).
وقال
النبي ﷺ:
«ليس
الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
خامساً:
العدالة بين التلاميذ
العدل
أساس التربية الناجحة، والتلميذ يدرك بسرعة التمييز بينه وبين زملائه. فإذا شعر بالإنصاف
ازداد حباً لمعلمه، وإذا أحس بالمحاباة ضعفت ثقته فيه.
ومن
صور العدالة:
المساواة
في المعاملة.
الإنصاف
في التقويم.
تكافؤ
الفرص في المشاركة.
الثواب
والعقاب وفق الاستحقاق.
قال
تعالى:
﴿إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (سورة النحل: 90).
وقال
سبحانه:
﴿وَإِذَا
قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (سورة الأنعام: 152).
فالتلاميذ
أصحاب فطرة سليمة، يميزون بين العدل والظلم، فلا ينبغي الاستهانة بإحساسهم.
سادساً:
الضمير المهني
الضمير
المهني هو روح التعليم، وهو الذي يجعل المعلم يؤدي رسالته بإخلاص حتى في غياب الرقابة.
فالمعلم قدوة قبل أن يكون معلماً، وسلوكه اليومي يترك أثراً أعمق من ألف درس.
ومن
مظاهر الضمير المهني:
المواظبة
على أداء الرسالة.
الإخلاص
في التحضير.
تشجيع
التلاميذ على الاجتهاد.
التحذير
من الكسل والتهاون.
احترام
الزمن المدرسي.
قال
تعالى:
﴿إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (سورة النساء:
58).
وقال
رسول الله ﷺ:
«كلكم
راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته».
كما
قال الإمام أبو حامد الغزالي: «المعلم هو المرشد إلى طريق الآخرة، وأشرف الناس صناعة
من اشتغل بتربية النفوس وتهذيبها.»
خاتمة
أيها
المعلم الكريم، إنك تحمل أمانة عظيمة، وستقف بين يدي الله تعالى مسؤولاً عنها. فلا
تضيع دقيقة من زمن التعلم فيما لا ينفع، وأخلص في أداء رسالتك، فإنك اليوم تبني العقول،
وتصقل المواهب، وتصنع طبيب المستقبل، والمهندس، والقاضي، والضابط، والوزير، ورجل الإصلاح.
قال
تعالى:
﴿وَقِفُوهُمْ
إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (سورة الصافات: 24).
وقال
سبحانه:
﴿وَقُلِ
اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (سورة التوبة:
105).
فاحرص
على أداء الأمانة، وأتقن عملك، واجعل من شخصيتك نموذجاً يُحتذى، فإن التربية الصالحة
هي أعظم استثمار في بناء الإنسان، وبصلاح المعلم تصلح الأجيال، وتنهض الأوطان

إرسال تعليق