U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

مجلة القدس الثقافية . نافذة الثقافة والأدب العربي. تصدر عن مكتبة الشعر العربي الحديث . السنة السابعة العدد (46) - 2026م


 

قراءة في أكواب من الضباب للكاتبة حفيظة مهني بقلم الدكتور أحمد علي البيطار

ينفتح النص على عنوان إشكالي شديد التكثيف السريالي: "أكواب من ضباب". الكوب في الوعي الإنساني أداة للاحتواء، والضباب هلام لا يُحتوى؛ هذا التناقض البنائي الصادم يُمهد سيكولوجياً لجوهر النص: "محاولة القبض على الوهم". الشاعرة هنا تدلق الضباب في كؤوس القارئ، لتوحي منذ البداية بعبثية الارتواء من علاقة قوامها التلاشي والسراب.

و تتحرك الكاتبة في فضاء نثري مشحون بعناصر الطبيعة (المطر، الشجر، الندى، الملح، الريح، الرمل)، لكنها لا تستخدمها كديكور خارجي، بل كـ "مرايا عاكسة للداخل الإنساني":

الندى المقنع: في مقترب دلالي ذكي (ظننتُ أن الندى... ماءَ نجاة، فإذا هو ملحٌ يورث الظمأ)، تُفكك الكاتبة ثنائية المظهر والمخبر؛ فالندى الذي هو رمز الطهر يتحول إلى ملح لا يروي بل يقتل، والنوافذ تتحول إلى ثقوب لتهريب الصقيع.الكف الممتلئة بالرمل: صورة بصرية تقطر خيبة وجودية؛ فالوصول إلى نهاية طريق السراب لا يعني العودة بـ "صفر اليدين" فحسب، بل العودة بكفين محشوتين بالتراب (الرماد الوجودي) الذي يعمي الأبصار.

ينتقل النص ببراعة من "مرثية الوجع" إلى "مانيفستو الكرامة". يظهر هنا مفهوم "ترميم الذات" عبر لغة هندسية حية: (أجمع فتات روحي... وأخيط ثقوب أيامي بخيط الصبر). العبارة الأقوى فلسفياً في النص التي تعكس وعياً حاداً بالخلاص هي: (ليس لأنني أكرهكِ، ولكن لأنني أحببتُ ما بقي مني بعدكِ). هنا تنزاح الأنانية لتصبح "أنفة مشروعة"، وتتحول التضحية إلى استثمار في النجاة.

في النصف الثاني من النص، تتخلى الكاتبة عن دور الضحية، وترتدي عباءة "ابن الأفق". توظف صيغ القصر والنفي البلاغي الجزيل: (لا يليق بي أن أستظل بسقف من دخان)، لترسم حدوداً فاصلة بين عالمين: عالم الضيق والوعود المؤجلة، وعالم السماء الممتد.

الأمر في قوله: (ردِّي إلى الريح صداها... وخذي عني آخر أثر) ليس أمراً للاستجداء، بل هو "تطهير طقوسي" ، كأن الكاتبة تغسل يدياه من غبار المرحلة الماضية تفسخ التعاقد العاطفي من طرف واحد وبقوة الكرامة: (لأن الكرامة إذا استيقظت في القلب أطفأت آخر قنديل).

تأتي الخاتمة لتوجه ضربة نقدية حاسمة؛ فالأنقاض لم تعد مكاناً للبُكاء، بل تحولت إلى محجر لبناء المستقبل: (بنيتُ من كسري باباً، ومن صمتي صلاةً). هذا التحول من الانكسار إلى البناء هو ما يُعرف في علم النفس الأدبي بـ "التسامي"؛ حيث يُعاد تدوير الألم ليصبح وطناً محصناً بالوعي، وتنتهي النثرية باعتراف وجودي ممتن للخسارة باعتبارها (يداً خفيةً تدفعنا نحو الحياة).

"أكواب من ضباب" ليس مجرد نص عن الفراق، بل هو وثيقة أدبية عالية الرمزية في سيكولوجية التحرر. امتاز النص بجمل قصيرة متلاحقة تشبه أنفاس الركض نحو الخلاص، وصور مبتكرة برهنت فيها الأستاذة حفيظة مهني على قدرة النثر الرقراق على حمل أثقل الفلسفات الإنسانية عمقاً وجزالة.

 

أكواب من ضباب

بقلم حفيظة مهني

______________

كم يلزمني من الفصول لأغسل عن قلبي غبار الطريق الذي سلكتُه إليكِ؟ وكم يلزمني من المطر لأصدق أن الأشجار لا تثمر في الجهات التي يسكنها السراب؟

ظننتُ أن الندى الذي يتقاطر من أطراف كلماتكِ ماءَ نجاة، فإذا هو ملحٌ يورث الظمأ، وأن النوافذ التي فتحتِها لي تؤدي إلى البساتين، فإذا هي ثقوب في جدار الريح، لا يدخل منها إلا البرد.

ما أقسى أن يضلَّ المرء وهو يحسب نفسه يهتدي، وأن يبتسم للسراب حتى إذا اقترب منه وجد كفَّه تمتلئ بالرمل، وعينيه تمتلئان بخيبةٍ لا اسم لها.

فلا تعودي... ليس لأنني أكرهكِ، ولكن لأنني أحببتُ ما بقي مني بعدكِ. لقد قضيتُ زمنًا أجمع فتات روحي من منعطفات الانتظار، وأخيط ثقوب أيامي بخيط الصبر، حتى إذا استوت قامتي من جديد، أدركت أن بعض الأبواب خُلقت لتُغلق، لا لتظل مواربةً في وجه الحنين.

أنا ابنُ الأفق؛ لا يليق بي أن أستظلَّ بسقفٍ من دخان، ولا أن أستبدل اتساع السماء بقفصٍ من الأمنيات المؤجلة. في صدري متسعٌ لألف حلم، لكنه يضيق بحلمٍ واحدٍ وُلِد مكسور الجناحين.

ردِّي إلى الريح صداها، وإلى الموج زَبَدَه، وإلى الليل سُهاده، وخذي عني آخر أثرٍ تركته خطاكِ على تراب القلب. فما عاد في المرافئ سفينةٌ تنتظر اسمكِ، ولا في النوافذ مصباحٌ يسهر لعودتكِ.

لقد تعلمتُ أن الزهرة التي تُفتن العين قد تُخفي شوكةً لا يراها إلا من مدَّ إليها يده، وأن الطريق لا يخون السائر، وإنما يخونه وهمُ الوصول إلى غير وجهته.

سأمضي... لا لأن المسافات أرحم، بل لأن الكرامة إذا استيقظت في القلب أطفأت آخر قنديلٍ كان يقتات من الانتظار. وسأترك خلفي كل ما يثقل الخطى؛ الأسماء، والوعود، والرسائل التي لم تجد طريقها إلى الصدق.

فإن مررتِ يومًا من هنا، فلا تبحثي عني بين الأنقاض؛ لقد بنيتُ من كسري بابًا، ومن صمتي صلاةً، ومن وحدتي وطنًا لا تدخله إلا الأرواح التي تعرف معنى الوفاء.

أما أنا... فسأظل كلما أشرقت شمسٌ جديدة أحمد الله أنني نجوت، وأن بعض الخسارات لم تكن إلا يدًا خفيةً تدفعنا نحو الحياة.

 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة