ما زال عطرها
بقلم الكاتب عبد اللطيف
مبارك
كانت الغرفة تبدو وكأنها
تتسع بشكل مرعب كلما تقدم الليل. لم يدرك مروان قط أن للأثاث عيونًا تراقب وجلدًا يشعر،
إلا بعد أن رحلت ليلى.
جلس على حافة الفراش، ذلك
الهيكل الخشبي القديم الذي كان شاهدًا على فصول حياتهما معًا. تمدد بجسده الواهن، لكنه
لم يجد الدفء المعتاد. كان هناك فراغ موحش ومقلق على الجانب الأيسر. امتدت يده تلقائيًا
لتبحث عن الوسادة الأخرى، فلم تجد سوى فراغ جليدي، يشبه صقيع الشتاء.
في تلك الليلة، لم يكن
مروان الوحيد الذي يتألم. فتحت وطأة ثقله، بدأت ألواح السرير الخشبية تطلق صريرًا مختلفًا؛
لم يكن صوت الشيخوخة أو التآكل، بل كان أشبه بنشيج مخنوق.
"لماذا أصبحت ثقيلًا
هكذا يا مروان؟".. بدا أن الخشب يتساءل بصوته الأبح: "لقد كنتما خفيفين كطائرين،
والآن تطأ أضلعي بنصف جسد يزن جبالًا من الحزن".
مرت الأيام ومروان يرفض
مغادرة الفراش إلا للضرورة القصوى. تحول السرير من ملاذ للراحة إلى مسرح لمواجهة ذاته.
كان يحدق في السقف ويستمع إلى ساعة الحائط وهي تلتهم الوقت بنهم.
كان عطر ليلى لا يزال مطبوعًا
في زوايا الفراش، يتسلل خفية ليذكره بقبلة الصباح وضحكتها التي كانت تهز جدران الغرفة.
كان السرير تحته يتصلب، وكأنه يرفض استقباله بمفرده.
في منتصف ليلة عاصفة، شعر
مروان بغطاء السرير المطرز ينزلق ببطء. التفت، ظانًّا لبرهة أنها يد ليلى تحركه. لكنه
لم يكن سوى الريح، أو ربما كان السرير يحاول نفضه عنه.
مروان: حتى أنت ضقت بوجودي؟
السرير (بصرير طويل): لم أملّ منك، لكني لم أعتد على توازن أعرج. لقد
صُممت لأحمل روحين، وانحنائي الآن من جانب واحد يكسر ظهري.
السرير لا ينسى. كانت النوابض
الفولاذية في الداخل تحفظ كل حركة، كل همسة، وكل ليلة مرض سهرت فيها ليلى تمسح جبين
مروان.
الآن، صدئت النوابض، لا
بسبب الرطوبة، بل بفعل دموع مروان التي كانت تسقط في زوايا الفراش ليلًا، ظانًّا أن
لا أحد يراه. كان الحديد يبكي تحت وطأة ألمه الصامت.
حاول مروان النوم في منتصف
السرير تمامًا، آملًا أن يعيد التوازن إلى الكون الصغير الذي يعيش فيه. لكنه فشل؛ فجسده
كان يميل تلقائيًا نحو الجانب الأيمن، تاركًا الجانب الأيسر مقدسًا ومهجورًا، كمحراب
لم تلمسه بشرية منذ قرون.
بدأ الخشب ينحني من جهة
واحدة، معلنًا احتجاجًا صريحًا على ذلك الغياب القسري.
في الليلة السابعة بعد
الشهر الأول، خُيّل لمروان أنه يرى انخفاضًا في الوسادة المقابلة، كما لو أن رأسًا
غير مرئي يستند إليها. حبس أنفاسه.
حتى صرير السرير توقف فجأة.
ساد صمت مطلق. حتى الخشب حبس أنفاسه، أملًا في عودة صاحبة الخطوات الخفيفة. لكنه لم
يكن سوى خداع البصر والاشتياق.
"لقد رحلت"،
قالها مروان بصوت مرتجف وهو يضرب الخشب بقبضته.
أجابه السرير بصرير حاد،
كأنه يصرخ في وجهه:
"ولماذا تركتها ترحل؟ لماذا تركتني هكذا، مجردًا من نصف تاريخي؟
لم أُخلق لأكون مقعد انتظار، بل خُلقت لأكون ملاذ وصال".
مع مرور الفصول، لم يعد
مروان يميز جسده عن السرير. أصبحت أطرافه باردة كالأعمدة الخشبية، وظهره متصلبًا كالألواح.
لقد أصبحا كيانًا واحدًا
يندب غياب امرأة كانت هي الروح لذلك الأثاث وذاك الجسد. وأصبح النحيب المشترك بين صرير
الخشب وزفير الرجل سيمفونية جنائزية يومية، تعزفها الغرفة في الظلام.
في النهاية، أدرك مروان
أن السرير لن يكف عن الأنين، وأنه هو نفسه لن يكف عن النزيف.
أغلق عينيه، مستسلمًا تمامًا
للجاذبية. في تلك اللحظة، هدأ صرير السرير تمامًا؛ ليس لأن ليلى عادت، بل لأن السرير
أدرك أخيرًا أن مروان أيضًا قد رحل بروحه، ولم يتبقَ على سطحه سوى جسد من خشب، يبكي
خشبًا آخر.


إرسال تعليق