U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

مجلة القدس الثقافية . نافذة الثقافة والأدب العربي. تصدر عن مكتبة الشعر العربي الحديث . السنة السابعة العدد (45) - 2026م


 

كلمة العدد

الكتابة في زمن التزييف

 

الكاتب: خالد أعراب \ الجزائر

 

أحيانا أشعر أن المشكلة لا تتعلق بالكتابة نفسها، وإنما بالطريقة التي صرنا نعيش بها قبل أن نكتب.

نستيقظ فنمر على عشرات الكلمات ومئات الجمل وربما آلاف الصور، دون أن يتوقف فينا شيء. نقرأ، لكننا لا نُصغي. نرى، لكننا لا ننتبه. كأن كل شيء صار يمر بسرعة، ونحن اعتدنا ذلك إلى درجة لم نعد نشعر بما نخسره من وقت.

حين أجلس وحيدا لأكتب، لا أجد نفسي في مواجهة اللغة، وإنما في مواجهة  إيقاع خفي  يلاحقني. كل شيء يدفعك لتختصر، لتسرع، لتقول أقل ما يمكن. وكأن العمق أصبح عبئا. ومع ذلك، في داخلي يقين يفرض أن الأشياء التي تستحق أن تُقال، تحتاج وقتا لتولد.

أفكر أحيانا في العقاد، كيف كان يكتب وكأنه يكلم العقل نفسه. وأتذكر المنفلوطي، حين كانت الجملة عنده تحمل إحساسا، لا مجرد فكرة عابرة. ثم يمر في ذهني نجيب محفوظ، الذي كان يرى عالما كاملا في جزيئات صغيرة، بينما نحن بالكاد نتوقف عندها. أما كاتب ياسين، فكان يكتب من أعماقه، بصدق لا يقبل التخفيف ولا المساومة.

ماذا تغير؟

نحن لم نفقد القدرة على الكتابة، لكننا فقدنا الصبر على المعنى. هذا ما أسميه الترييف. ليس في المكان، وإنما في داخلنا. في هذه الرغبة الدائمة في التبسيط، في الهروب من التعقيد، في الاكتفاء بالقليل. نكتب أحيانا فقط لنمر، لا لنبقى. نقول ما يُنتظر منا، لا ما نشعر به حقا. والأخطر من ذلك أننا بدأنا نعتاد. نعتاد أن تكون الكتابة خفيفة بلا أثر. نعتاد أن نقرأ دون أن يتغيّر فينا شيء.

لكن حين نهدأ، يظهر الفراغ. نكتشف أن كل هذا لم يترك فينا ما يكفي.

لهذا أكتب. ليس لأن لدي دائما ما أقول، وإنما لأنني لا أريد أن أفقد هذا الشعور بأن الكلمة يمكن أن تفعل شيئا. أن تلمس، أن تبقى، أن تغير ولو قليلا.

الكتابة بالنسبة لي لم تعد رفاهية، وإنما طريقة لأحافظ على نفسي، في زمن يدفعني لأن أكون أخف وأسرع وأقل مما أريد.

قد لا يقرأ هذا النص كثيرون، وربما يمر عليه البعض سريعا، لكن يكفيني أنه كُتب بصدق. وفي هذا الزمن، الصدق وحده لم يعد أمرا مرغوبا فيه.



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة