U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

ألدوس هكسلي بين بوتفليقة وتبون: كيف تحوّلت الراحة إلى قفص وهمي بقلم الأستاذ: أعراب خالد الدولة الجزائر


 

ألدوس هكسلي بين بوتفليقة وتبون: كيف تحوّلت الراحة إلى قفص وهمي

 

بقلم الأستاذ: أعراب خالد

الدولة الجزائر

 

في زمنٍ لم يعد فيه القمع هو الخطر ، بدأت تتشكل قوة أخرى أكثر هدوءا وأكثر تأثيرا هي الراحة. لم يعد الإنسان يخاف من القيود، بل أصبح يخاف من فقدان ما يريحه. لم تعد السلطة بحاجة إلى فرض الطاعة بالقوة، لأن الإنسان صار، دون أن يشعر، يميل إلى كل ما يُبقيه مرتاحا راضيا، بعيدا عن كل ماهو صعب ومتعب.

 

هذا ما التقطه ألدوس هكسلي ببصيرة حادة في روايته Brave New World. لم يرسم عالم مليئا بالخوف، بل عالما خاليًا منه، وهذه هي المفارقة. عالم لا توجد فيه أي معاناة، كل شيء متوفر، كل شيء سهل، كل شيء جاهز، حتى التفكير لم يعد ضرورة.

 

في ذلك العالم، لا أحد يُجبرك على الطاعة، بل يتم تهيأتك لها منذ البداية. بحيث يتم تشكيل وعيك بطريقة تجعلك لا ترى سببًا للرفض. وهنا تكمن الخطورة عندما تختفي الحاجة إلى المقاومة، تختفي معها الحرية دون أن يشعر أحد.

 

وإذا ابتعدنا قليلا عن الأدب ونظرنا إلى الواقع، سنجد أن هذه الفكرة ليست بعيدة عنا. ففي فترة حكم عبد العزيز بوتفليقة، لم يكن الحكم قائما على القمع المباشر بقدر ما كان قائما على خلق حالة من الاستقرار المريح. فبعد سنوات العنف والعشرية السوداء، كان هذا الاستقرار مطلبا مشروعا، بل وضروريًا. لكن مع مرور الوقت، تحول هذا الاستقرار إلى حالة من السكون.

 

حيث بدأت تتشكل ثقافة جديدة، أخطر بكثير من كل القوانين ثقافة الطريق السهل. فُتحت أبواب المال، لكن ليس عبر الجهد والإنتاج، بل عبر شبكات النفوذ والعلاقات. أصبح الوصول إلى المال سهلا،لكن بثمنٍ التبعية.

 

رجال الأعمال لم يكونوا أحرارا، بل جزءًا من منظومة تُغدق عليهم حين يطيعون، وتُقصيهم حين يخرجون عن الخط. المدراء لم يكونوا قادة، بل منفذين داخل لعبة أكبر منهم. وحتى المواطن البسيط، وجد نفسه يُدفع نحو طرق مختصرة، يتعوّد على الربح السريع، وينسى قيمة التعب.

 

لم يعد النجاح مرتبطا بالجهد أو الكفاءة، بل بمدى القدرة على اختصار الطريق. وهكذا، ومع الوقت، لم تعد المشكلة في وجود طرق غير قانونية، فكل شيئ اصبح عاديا، والكل اعتاد. والنتيجة تحوّل نفسي عميق. الإنسان الذي يتعود على السهولة، يفقد تدريجيا قدرته على الصبر. والإنسان الذي لا يصبر، لا يقاوم. والذي لا يقاوم، يتأقلم حتى مع ما لا يجب أن يقبله.

 

وعندما تغيّر السياق، وجاء الرئيس عبد المجيد تبون، لم يكن التحدي في إصلاح القوانين أو محاربة الفساد، بل في مواجهة إرث غير مرئي ذهنية تشكلت عبر سنوات. مجتمع كسول ومتكبر يريد التغيير، لكنه في نفس الوقت متردد، مرهق، وأحيانا غير مستعد لدفع ثمن هذا التغيير.

 

المعركة لم تكن ضد أشخاص،بل ضد ثقافة كاملة، ثقافة المال السهل،وثقافة النفوذ،وثقافة دبّر راسك ولو على حساب كل غيرك. فأن ترث نظاما مثقلا بالفساد ليس بالأمر السهل،ولا أن تغير عقليات اعتادت على الطرق المختصرة. كل إصلاح يُواجه مقاومة،وكل محاولة تغيير تصطدم بعادات عرفية قديمة. أن تحارب الفساد شيء،لكن أن تغير ثقافة الفساد، فهذا أصعب بكثير.

 

هنا يظهر وجه آخر لفكرة هكسلي. في العالم السعيد، لم يعد الإنسان عبدًا لأنه مجبر، بل لأنه لم يعد يرى سببا ليكون حرا. الراحة التي يعيشها جعلته ينسى أن الحرية تتطلب جهدا، وأن التفكير قد يكون متعبا لكنه ضروري.

 

نحن اليوم لا نعيش في عالم خيالي تُصنع فيه البشر في المختبرات، كما يتوهم البعض، لكننا نعيش في واقع تُصنع فيه العادات، وتُشكل فيه الرغبات، ويعاد فيه تعريف وهم الراحة في عالم الروائي.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، من المسؤول عن هذا الترويض؟ هل هو النظام، أم أن المجتمع شارك، بسكوته وراحته، في بناء هذا القفص؟

 

لقد قدم ألدوس هكسلي في روايته تحذيرا، على أن أخطر الأنظمة ليست تلك التي ترعبك، بل تلك التي ترضيك. لأن الخوف يولّد المقاومة، أما الرضا فيقتلها مع الوقت. وهذا ما يجعلنا اليوم أمام معادلة معقدة شعب لم يقمع بالكامل، لكنه لم يتحرر بالكامل أيضًا.

 

في زمن عبد العزيز بوتفليقة، تم بناء قفص مريح، لا يرى بسهولة. قفص من الاستقرار، من الروتين، من العادات التي تجعل الإنسان يختار البقاء بدل المغامرة. لم يكن القفص من حديد، بل من امتيازات صغيرة، من تسهيلات، من وعود بحياة أقل تعبًا. وهذا أخطر، لأن الإنسان لا يحاول كسر ما لا يؤلمه.

ثم جاء  الرئيس عبد المجيد تبون، ليجد نفسه أمام واقع مختلف القفص موجود، لكن مفاتيحه ليست بيده وحده. لأن القفص لم يعد مجرد نظام سياسي، بل أصبح نمط تفكير. أصبح جزءا من سلوك يومي، من طريقة تعامل، من خوف داخلي من التغيير.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية، لا يمكن لأي سلطة، مهما كانت نواياها، أن تغير مجتمعا لا يريد أن يتعب من أجل حريته. لأن الحرية هي القدرة على تحمل القلق بدل الراحة، وعلى طرح الأسئلة بدل قبول الأجوبة، وعلى اختيار الطريق الصعب حين يكون هو الصحيح.

لكن ما نعيشه اليوم محير، الجميع يشتكي، لكن القليل مستعد للتغيير. الجميع ينتقد، لكن القليل مستعد لدفع الثمن. الكل يريد كسر القفص بشرط ألا يخسر راحته. وهكذا، يبقى القفص، لا لأن السلطة قوية، بل لأن المسجون لم يعد يرى في الخروج فائدة، بل مخاطرة مآلها وجع الدماغ.

إن أخطر ما في هذا الواقع ليس الفساد، ولا حتى ضعف الأداء السياسي كما يرى بعض المفكرين، انه ذلك التحول في التركيبة البشرية، حين تصبح مقتنعة بأن ما هو كائن هو الأفضل، وأن التغيير مغامرة عبثية غير مضمونة.

وهنا نرجع إلى جوهر الفكرة، ان الشعوب لا تُروض بالقوة، بل تُروض بالاعتياد، وكلما طال الاعتياد، أصبح القفص وطنا. وأصبح السؤال عن الحرية  ترفا. فهل نحن فعلا عاجزون عن كسر القفص؟ أم أننا لم نعد نريد ذلك؟

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة