U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

قراءة في قصيدة ذئاب الضحى للشاعرة العراقية نعمه العزاوي بقلم أحمد بيطار

قراءة في قصيدة ذئاب الضحى للشاعرة العراقية نعمه العزاوي بقلم  أحمد بيطار

 

ذِئابُ الضُّحى:

أ بِضُحى النَّهارِ عِواءُ الذّئابِ ؟!

وفي اللَّيلِ منامُ الكلابِ ؟!

أيا مَسخرةَ الانتهاكِ عاثَت

بأضراسِ الضَّباعِ فَيضُ اللُّعابِ

أ تنامُ الأغنامُ بحُضنِ عَلْمَسٍ ؟!

ويعشَقُ السِّنجابُ مِخلَبَ العُقَابِ ؟!

ضَغِيبُ الأرانبِ يُصدِرُ قَلَقًا

كَدَسِّ رأسِ النَّعامَةِ بالتُّرابِ

الأناكوندَا بالضَّحيَّةِ تَلُفُّ جِسمَها

وبعد العصرِ ما فائدةُ العِتابِ ؟!

هَاكَ العَنكبوتُ يَبنِي هَشاشةً

كُلُّ البُيوتَاتِ تَمضِي لِلخَرابِ

الوَهنُ والوَهمُ وَالخِداعُ أَركانُها

وَغِيابُ السَّكينةِ يُفضِي لِلعَذابِ

لِكن لِلغَافلِينَ عَينُ دِرايةٍ

بِالغَيبِ إرادَةٌ تَنظرُ لِلصَّوابِ

مُن النّواصي تَمسِكُ فراعنةً

وَعلى السَّحِيقِ ذَرُّ التُرابِ

فَيَا مَن تَلَكَّأَ مُتَضرِّعًا

بِاليَقينِ يُنزَّلُ غَوثُ السَّحابِ.

العراق.

نعمه العزاوي

 

 

 

تُعد قصيدة   «ذئاب الضحى»   نصًا شعريًا ذا طابع رمزي ورؤيوي، ينهض على استثمار الصورة الحيوانية بوصفها وسيلةً لكشف اختلال القيم وانقلاب الموازين في الواقع الإنساني. فلا تتحدث الشاعرة عن الذئاب والضباع والعناكب والأفاعي بوصفها كائنات طبيعية، بل تجعل منها أقنعة رمزية لقوى الهيمنة والخداع، في مقابل كائنات وديعة تمثل البراءة والضعف، فتغدو القصيدة قراءةً أخلاقية لعالم تتبدل فيه الفطرة، وتختلط فيه الحدود بين المفترس والفريسة.

أبِضُحى النهار عواءُ الذئاب؟!

وفي الليل منامُ الكلاب؟!

ومنذ هذين السطرين، تؤسس الشاعرة لمفارقة تقوم على انقلاب النظام الطبيعي؛ فالذئب، الذي اعتاد القارئ أن يربطه بعتمة الليل، يعوي في وضح النهار، وكأن الشر لم يعد يخشى الظهور أو التخفي. وهنا يتحول الاستفهام إلى أداة احتجاج على واقع فقد توازنه، وأصبحت فيه الفوضى هي القاعدة.

وتعتمد القصيدة على   الرمز الحيواني   بوصفه العمود الفقري لبنائها الفني. فالضباع، والذئاب، والعقاب، والأناكوندا، والعنكبوت، والأرانب، والسنجاب، ليست مجرد صور متفرقة، بل تشكل منظومة رمزية متكاملة، لكل عنصر فيها دلالة أخلاقية ونفسية. وقد أحسنت الشاعرة في توظيف هذا المعجم الحيواني ليصبح مرآةً للمجتمع، لا وصفًا للطبيعة.

ومن أكثر المقاطع كثافةً في دلالته قولها:

الأناكوندا بالضحية تلف جسدها

وبعد العصر ما فائدة العتاب؟!

فهنا تبلغ الصورة ذروة تأثيرها؛ إذ يتحول الالتفاف حول الضحية إلى رمز للإحكام الكامل على مصيرها، ليأتي السؤال الختامي تعبيرًا عن مرارة الإدراك المتأخر، حين لا يعود الندم قادرًا على تغيير الواقع.

هاك العنكبوت يبني هشاشةً

كل البيوتات تمضي للخراب.

إيحاءً بالغ العمق؛ فالعنكبوت، المعروف ببيته الواهن، يصبح رمزًا للبنى الاجتماعية أو الفكرية التي تقوم على الوهم والخداع، فلا يكون مصيرها إلا الانهيار. وتتعزز هذه الرؤية بما يليها من قول الشاعرة:

الوهن والوهم والخداع أركانها

وغياب السكينة يفضي للعذاب.

وهي خلاصة فكرية تربط بين الانهيار الأخلاقي والانهيار الحضاري، في انتقال سلس من الصورة إلى التأمل.

أسلوبيًا، تميل القصيدة إلى التكثيف والإيجاز، وتعتمد على الجملة القصيرة المشحونة بالدلالة، مما يمنحها إيقاعًا متوترًا ينسجم مع طبيعة الموضوع. كما يتكرر الاستفهام والنداء بوصفهما وسيلتين لإشراك القارئ في عملية التفكير، لا الاكتفاء بتلقي المعنى.

ويحسب للشاعرة أنها لم تجعل القصيدة غارقة في التشاؤم، بل ختمتها بإشارة إلى اليقين والأمل:

فيا من تلكأ متضرعًا

باليقين يُنزَّل غوث السحاب.

وهذه الخاتمة تمنح النص بعدًا روحيًا، إذ تؤكد أن الخلاص لا يتحقق بالاستسلام للواقع، وإنما بالإيمان والثبات وحسن التوكل. وهكذا تنتقل القصيدة من تشخيص الداء إلى الإشارة إلى الدواء، في توازن فني وفكري واضح.

 

وتتميز لغة الشاعرة بالفصاحة والجزالة، مع ميل إلى بناء صور مركبة تستدعي قارئًا متأملًا، قادرًا على تجاوز ظاهر الألفاظ إلى ما تحمله من إشارات ورموز. كما أن الإيقاع الداخلي الناتج عن تكرار المفردات ذات الحقول الدلالية المتقاربة يمنح النص وحدة موسيقية تتناسب مع رؤيته.

تقدم قصيدة   «ذئاب الضحى»   رؤية شعرية ناقدة لواقع مضطرب، من خلال منظومة رمزية تستثمر عالم الحيوان لتعرية مظاهر الخداع والاستقواء وانهيار القيم. وقد نجحت الشاعرة   نعمة العزاوي   في بناء نص يجمع بين الصورة المكثفة، واللغة الجزلة، والبعد التأملي، فجاءت قصيدتها أقرب إلى صرخة أخلاقية تتخفى في ثوب شعري، وتدعو القارئ إلى اليقظة، والتمييز بين الحقيقة والوهم، والإيمان بأن اليقين يظل السبيل الأسمى لعبور أزمنة الفتن والاضطراب.

 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة