U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

قراءة في نص «حين يصبح الوعد ذكرى» للكاتبة نوال إدريس بقلم أحمد بيطار


 

قراءة في نص  «حين يصبح الوعد ذكرى» للكاتبة نوال إدريس بقلم أحمد بيطار

 

 

حين يصبح الوعد ذكرى

قالت لي: لن نفترق. فصدقتها كما يصدق العطشان أول قطرة مطر ..

حين قرأت هذه الكلمات من مقال للكاتب احمد جلال بكري..

شعرت وكأنه يوقظ ذكرى بعيدة كنت أظن أنها هدأت في داخلي.

أعادني إلى ليلة رمضانية هادئة .. كان منشغلًا بهاتفه وأنا إلى جواره أستمتع براحة المساء .

شعرت حينها بسعادة بسيطة لكنها عميقة سعادة امرأة ترى حياتها مستقرة.

في تلك اللحظة ومن دون سبب واضح سألته السؤال الذي كثيرا ما مر بيننا..

هل نحن مع بعضنا العمر كله.

التفت إلي ونظر إلي بثقة لم أعهدها من قبل ثم قال

نعم حبيبتي، لماذا تسألين؟ كوني واثقة من ذلك.

ثم التفت إلي ووضع يده على كتفي، وكأن تلك الحركة البسيطة كانت ختما يثبت كلماته في قلبي بدت تلك الإجابة مختلفة عن كل الإجابات السابقة ربما لأنني كنت في تلك الليلة مطمئنة إلى درجة جعلتني أصدق أن هذا العهد سيبقى إلى الأبد.

رفعتني كلماته يومها إلى السماء من شدة ما أثلجت صدري وأراحت روحي حفظتها وزرعتها في أعمق جوارحي واعتبرتها الأمان الذي أستند إليه إذا راودتني مخاوفي.

كانت تلك الكلمات صمام الأمان لحياتي، والقوة التي تدفعني للمضي قدما...

لكن ما هي إلا أيام قليلة حتى تبعثرت تلك الكلمات كما تتبعثر أوراق الشجر في الخريف.

وكأن الوعد الذي اطمأن له قلبي لم يكن موجودا

وبقيت أنا معلقة عند تلك الليلة الرمضانية الهادئة. لا أتذكر شيء لا الزمان ولا تفاصيل المكان، بقدر ما أتذكر نبرة صوته وهو يقول:

"كوني واثقة من ذلك."

أحيانًا لا يوجعنا الفراق نفسه بقدر ما يوجعنا أن آخر طمأنينة سكنت قلوبنا كانت معهم

وما يوجعنا اكثر ليس تذكر الأشخاص بقدر ما يوجعنا تذكر النسخة من أنفسنا التي كانت مطمئنة بوجودهم.

بقلم الكاتبة نوال إدريس

 

 

 

يقدم نص  «حين يصبح الوعد ذكرى»  تجربةً إنسانية شفافة، تتناول هشاشة الوعود حين تعجز الحياة عن الوفاء بها، وتستكشف أثر الكلمة في تشكيل الذاكرة والوجدان. ولا ينهض النص على حدث درامي معقد، بل على لحظة عاطفية واحدة تتحول، بفعل الزمن، إلى مركز ثقل نفسي تدور حوله جميع المشاعر والأسئلة.

تبدأ الكاتبة باستلهام عبارة للكاتب أحمد جلال بكري، لتجعل منها عتبةً شعورية تفتح باب الاسترجاع. وهذا الاستهلال لا يأتي على سبيل الاقتباس فقط، بل يؤدي وظيفة فنية؛ إذ يصبح الشرارة التي تستدعي الذاكرة، وتطلق تيار السرد الداخلي، لينتقل النص من القراءة إلى المعايشة، ومن الفكرة العامة إلى التجربة الشخصية.

وتعتمد الكاتبة على تقنية  الاسترجاع الزمني (Flashback) ، فتعود بالقارئ إلى ليلة رمضانية هادئة، تصفها بلغة رقيقة يغلب عليها السكون والدفء. ويكتسب المكان والزمان هنا قيمة رمزية؛ فليالي رمضان ترتبط في الوجدان بالطمأنينة والسكينة، وهو ما يجعل الانكسار اللاحق أكثر وقعًا، لأن ما ينهار ليس مجرد وعد، بل شعور كامل بالأمان.

ويُعد الحوار القصير بين الزوجين من أنجح عناصر النص، فهو بسيط في ألفاظه، عميق في أثره. فالسؤال:

"هل نحن مع بعضنا العمر كله؟"

يأتي عفويًا، بينما تحمل الإجابة:

"كوني واثقة من ذلك."

كل الثقل العاطفي الذي سيبني عليه النص لاحقًا. وتنجح الكاتبة في تحويل هذه العبارة إلى  لازمة وجدانية  تتردد في الذاكرة، فتغدو رمزًا للوعد الذي عاش أطول من صاحبه، وأثقل من قدرة الزمن على محوه.

ولا تكمن قوة النص في الحديث عن الفراق ذاته، بل في انتقاله من الحدث الخارجي إلى أثره النفسي. فالفقد هنا لا يُقدَّم بوصفه نهاية علاقة، وإنما بوصفه انهيارًا لحالة من اليقين كانت البطلة تستند إليها. ولهذا تأتي العبارة:

"كانت تلك الكلمات صمام الأمان لحياتي."

لتكشف أن الإنسان قد يعيش سنوات مع شخص، لكنه يتعلق أحيانًا بجملة واحدة تمنحه الإحساس بالأمان، فإذا انهارت تلك الجملة، اهتزت معها ذاكرته الداخلية.

ومن أعمق ما يطرحه النص انتقاله من رثاء العلاقة إلى رثاء الذات القديمة، ويتجلى ذلك في خاتمته:

"وما يوجعنا أكثر ليس تذكر الأشخاص، بقدر ما يوجعنا تذكر النسخة من أنفسنا التي كانت مطمئنة بوجودهم."

وهذه الخاتمة تمثل ذروة النص الفكرية والوجدانية، لأنها تنقل القارئ من تجربة فردية إلى حقيقة إنسانية عامة؛ فالإنسان لا يفقد الآخرين فقط، بل يفقد أيضًا الصورة التي كان عليها حين كانوا جزءًا من حياته. وهنا يكتسب النص بعدًا نفسيًا عميقًا، يتجاوز حدود الحنين التقليدي.

أسلوبيًا، تمتاز الكاتبة بلغة هادئة، بعيدة عن المبالغة، تعتمد على الجمل القصيرة المتتابعة التي تنسجم مع طبيعة الاستذكار. كما أن الصور جاءت نابعة من التجربة نفسها، مثل تشبيه الوعد بأوراق الخريف، وهي صورة مألوفة، لكنها جاءت في سياقها معبرة عن التبدل المفاجئ وانهيار اليقين.

ويحسب للنص أنه لا يسقط في خطاب اللوم أو الاتهام، بل يبقى وفيًا لمشاعر التأمل والاعتراف، وهو ما يمنحه صدقًا إنسانيًا يجعل القارئ يجد فيه شيئًا من ذاكرته الخاصة. فالكاتبة لا تبحث عن إدانة أحد، وإنما تحاول فهم ما تفعله الوعود حين تتحول إلى ذكريات.

يشكل نص  «حين يصبح الوعد ذكرى»  لوحة وجدانية رقيقة، تمزج بين السرد والتأمل النفسي، وتنجح في تحويل لحظة عابرة إلى رمز لفكرة أكبر، هي هشاشة الطمأنينة الإنسانية أمام تقلبات الحياة. وقد استطاعت الكاتبة  نوال إدريس  أن توظف الاسترجاع الزمني والحوار الداخلي ولغة الإيحاء لتبني نصًا يلامس الوجدان بصدق، ويؤكد أن أكثر ما يبقى بعد الفراق ليس الأشخاص وحدهم، بل الأثر الذي تركوه في أعماقنا، والنسخة المطمئنة من ذواتنا التي رحلت برحيلهم. إنها كتابة هادئة، صادقة، تنحاز إلى إنسانية الشعور أكثر من انفعال البوح، ولذلك تترك أثرها في نفس القارئ طويلًا بعد انتهاء القراءة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة