U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

قراءة في قصيدة سليمى للشاعر نضال محمود بقلم أحمد بيطار


 

قراءة في قصيدة سليمى للشاعر نضال محمود بقلم أحمد بيطار

 

سُليمَى

أتدري وشوقي فيكَ يجري فيَعذُبُ

وتُدْمِي فؤاداً مِنكَ يدنو ويَقْرُبُ

بأنّي وعيني لم تجافِ مَدامعي

وتبكي لروحٍ فيكَ تُمْسِي وتغْرُبُ

أراني كما الأطيارُ تغدو وتَشْتكِي

نسيمُ الهوى يَشدُو لِحَالي فتُطرُبُ

يميناً سَمَتْ روحي تُناغِي بُدُورَكمُ

فجادَتْ عليها من سناها كواكبُ

ستبقى لياليكُم يطيبُ الهوى بها

وكأس النوى تسقي فؤادي وتسكبُ

أطوفُ على دارٍ لكمْ ، ما نسِيتُها

أناجِي أثافيْها وروحي تعاتبُ

أيا مَوقداً أشْعلتَ في أضلعي لظَىً

أنامُ على جمرِ الجوى حينَ يلهُبُ

نسيمُ الصّبا والغيمُ يجري قوافلاً

على وقعها تمشي وتشدو كواعبُ

فلا يؤنسُ اللّيل الطويل غناؤها

وفجرِي عروسٌ أخلفتها مواكبُ

وأفنيْتُ عمري في وِصالٍ ،ولم أصِلْ

لعُمري كذا الأقدارُ تَمْحو وتكتٌبُ

فوجدي قديمٌ بالسّليمى جَدِيدُه

على عهدها باقٍ ولو فيه أصْلَبُ

وإن كان حبّ العُمر. يَسْلو لعادني

مَلاكاَ سأحْيا في جِنانٍ وأعْذَبُ

نضال محمود ...

 

 

تُعيد قصيدة «سُليمى» إحياء التقليد الغزلي في الشعر العربي بروح معاصرة، مستثمرةً جماليات القصيدة العمودية، ومستنطقةً إرث العشق العذري الذي طالما شكّل أحد أنقى منابع الشعر العربي. فهي ليست مجرد قصيدة في الحنين إلى الحبيبة، بل هي رحلة وجدانية تستحضر الذاكرة، وتجعل الحب تجربةً ممتدة تتحدى الزمن، وتقاوم النسيان.

أتدري وشوقي فيكَ يجري فيعذبُ

وتدمي فؤادًا منك يدنو ويقربُ

ويكشف المطلع عن حالة شعورية تقوم على مفارقة لافتة؛ فالشوق، وهو مصدر العذاب، يتحول في الوقت نفسه إلى عذوبة، في إشارة إلى أن المحبة الصادقة تجعل الألم جزءًا من لذة العشق. ومنذ البيتين الأولين ينجح الشاعر في رسم المناخ النفسي العام للقصيدة، حيث يتجاور الأمل والوجع، والقرب والحرمان.

وتقوم القصيدة على معجم وجداني أصيل، تتكرر فيه مفردات مثل:  الشوق، الدموع، الهوى، النوى، الجوى، الوصال، الفراق ، وهي مفردات تنتمي إلى الإرث الغزلي العربي، لكنها جاءت موظفة في سياق يحافظ على صدق التجربة، بعيدًا عن التكرار المجرد أو الاستعادة التقليدية.

ومن أبرز ملامح النص حضوره المكثف للطبيعة بوصفها مرآةً للمشاعر. فالطيور، والنسيم، والغيم، والكواكب، والبدر، والفجر، جميعها عناصر تتداخل مع الحالة النفسية للشاعر، فلا تبقى مجرد خلفية تصويرية، بل تتحول إلى شركاء في التجربة الوجدانية. وهذا التفاعل بين الإنسان والطبيعة يمنح القصيدة طابعًا غنائيًا رقيقًا، ويثري صورها الفنية.

ويبرز الحنين في:

أطوفُ على دارٍ لكم، ما نسيتها

أناجي أثافيها وروحي تعاتبُ.

وهنا يستدعي الشاعر صورة الوقوف على الديار، وهي من أعرق تقاليد القصيدة العربية، غير أنه يعيد توظيفها بروح وجدانية هادئة، حيث لا يقف على الأطلال بوصفها أثرًا ماديًا، بل بوصفها وعاءً للذاكرة ومكانًا يحتفظ ببقايا الحضور الغائب.

وتتجلى براعة الشاعر أيضًا في توظيف الصورة الشعرية دون تكلف، كما في قوله:

أنامُ على جمرِ الجوى حين يلهبُ.

فهي صورة تستثمر التعبير الموروث، لكنها تحافظ على قدرتها الإيحائية، إذ تجعل الألم حالةً معيشة لا مجرد استعارة لفظية. كما تتكرر في القصيدة صور الحركة والانسياب، فيجري الشوق، وتمشي القوافل، وتشدو الكواعب، وتسقي كؤوس النوى، وهو ما يضفي على النص حيويةً وانسيابًا موسيقيًا.

 

أما على المستوى الفني، فقد التزم الشاعر بالبناء العمودي، محافظًا على وحدة الوزن والقافية، الأمر الذي أكسب القصيدة إيقاعًا متوازنًا ينسجم مع طبيعة الغرض الغزلي. وجاءت لغته فصيحة، ذات نفس كلاسيكي، تستلهم المعجم العربي الأصيل، مع حرص واضح على سلامة التراكيب وانسيابها.

ولا تقف القصيدة عند حدود التغني بالمحبوبة، بل ترتقي إلى التأمل في الزمن والقدر، كما في قوله:

وأفنيتُ عمري في وصالٍ، ولم أصلْ

لعمري كذا الأقدارُ تمحو وتكتبُ.

وهنا يخرج النص من خصوصية التجربة الفردية إلى أفق إنساني أوسع، حيث يصبح الحب امتحانًا للصبر، وتغدو الأقدار شريكًا في تشكيل مصائر العاشقين. إنها لحظة تأمل تمنح القصيدة عمقًا فكريًا، فلا تبقى حبيسة الانفعال العاطفي.

ويختتم الشاعر قصيدته بنبرة متفائلة، تتجاوز مرارة الفراق إلى حلم الخلود في المحبة، فيؤكد أن الحب الحقيقي لا تذروه الأيام، بل يبقى أثره متجددًا في الوجدان، حتى وإن حالت الظروف دون اكتمال الوصال.

تمثل قصيدة «سُليمى» تجربة شعرية تنهل من معين الغزل العربي الأصيل، وتعيد تقديمه بلغة رشيقة وإحساس صادق. وقد نجح الشاعر نضال محمود في الموازنة بين أصالة البناء العمودي وحرارة التجربة الوجدانية، فصاغ قصيدة تتكئ على موسيقى عذبة، وصور شفافة، ورؤية إنسانية ترى في الحب قيمةً باقية تتجاوز حدود الزمان والمكان. إنها قصيدة تُثبت أن الشعر الكلاسيكي، حين يقترن بصدق الشعور وحسن الصياغة، يظل قادرًا على ملامسة وجدان القارئ وإحياء جماليات القصيدة العربية في أبهى صورها.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة