U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

‏ مضغة ثورة للكاتبة فاطمة الجلاوي

  مضغة ثورة  فاطمة الجلاوي

 

قصة قصيرة :

 

 

كانت ليلة شتوية قارسة حين استسلم "ثائر" لوسادة الملل في غرفته الشاحبة التي تفوح منها رائحة الورق القديم وقهوته العربية المرة. كان الفراغ من حوله يلتهم كل شيء كصندوق مظلم، وكانت البرودة تجمد السطور في الأوراق البيضاء المتناثرة أمامه، ككفنٍ ممتدٍّ يغطي وجعه.

كان كل شيء يراقبه في صمت يثير الجنون، وهو يمسك بقلمه كمن يمسك سيفًا، يخدش وجه الورق بعنف في نوبة غضب إثر كتابة قصيدة وُلدت مشوهة وميتة قبل أوانها.

توقف فجأة، ونظر إلى انعكاس وجهه المتعب وعينيه الغائرتين في مرآة خزانته الخشبية القديمة التي نخرها السوس. سأل نفسه بنبرة يسكنها الضياع: "من أنا لتتوقف مسيرة تيهي؟"

في تلك اللحظة، انسلت إلى ذاكرته حكاية ولادته التي قصتها عليه أمه ذات يوم بصوت متهدج وهي غاضبة منه.

في ليلة زفافها، دخلت عليها عرافة القرية، تلك التي كانت تعيش في كوخها المرعب، حيث البخور الخانق ونظرات الحيوانات المحنطة الحادة، وحذرتها قائلة: "إن حملتِ الآن، ستلدين طفلًا لا يعرف الركوع."

نصحتها العرافة بـ"ثقاف" وسحرٍ يمنع الإنجاب لثلاث سنوات، لكن الأم، في لحظة تحدٍّ جارف للأرواح والتقاليد، رمت بتميمة العرافة في النار المشتعلة.

وبعد ثلاثة أشهر فقط، كانت خلايا "ثائر" تتشكل في رطوبة الرحم؛ لقد كانت مضغةَ ثورةٍ ترفض الانصياع للنبوءات وللخوف منذ البداية.

عاد من ذكرياته، ونظر إلى قلمه بابتسامة ساخرة تكسر جمود ملامحه. أدرك أن تمرده ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد موروث من أم قررت أن تنجبه رغمًا عن أنف خرافات العرافين.

ضغط بأصابعه المرتجفة من الصقيع على يراعه، وغمسه في الحبر الأسود، ثم انحنى على ورقته البيضاء ليعلن ثورته الكاملة على المسكوت عنه. تدفق الحبر بغزارة، وسالت الكلمات كالدماء على جسد الورقة.

شعر بنشوة النصر وهو يخط جملته الأخيرة: "أنا مضغة الثورة التي هزمت نبوءة العرافة."

وفجأة، طُرق الباب بقوة. تلاشت ظلال الأشباح، واهتزت شمعته الذابلة. فتح الباب ليجد أمامه امرأة عجوزًا يكسو الشيب رأسها، وتنظر إليه بعينين زجاجيتين مألوفتين جدًا.

كانت هي... العرافة ذاتها.

نظرت إلى كومة الأوراق المتناثرة على الأرض، ثم رفعت بصرها نحو وجهه الشاحب، وقالت بابتسامة باردة هزت أركان الغرفة: "لقد تأخرت كثيرًا يا ثائر... ألم تخبرك أمك قبل رحيلها أنني حذرتها من عصيان أوامري؟"

أجابها ثائر ببرودة: "بلى، أخبرتني."

ثم ابتسم.

وبينما كان يكلمها، رفع قلمه فوق لهيب الشمعة حتى تفحّم، وغرس رأس قلمه المتفحم في عيني العرافة، فتراجعت وهي تصرخ.

وهو يدمدم، قال: "ألم تبصري من قبل أن قلمي سيخط نهايتك؟"

فصرخت: "بلى... لذلك حذرت أمك ألّا تحمل بك."

ابتسم ثائر، ومسح بقايا السواد عن رأس قلمه، ثم انحنى على الورقة البيضاء، وكتب بخط عريض:

"مضغة ثورة".

 

فاطمة الجلاوي

 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة