القصيدة
.. و الحسناء
قصيدة
من أول الطويل .. و القافية من المتواتر
جلوتُ
حوافي القلبِ فانطلق الشعرُ
فحنَّتْ
الى محرابِه الأنجــمُ الــــــزُّهر
فشبَّهتُها
الحسناءَ .. سحـــــرًا و فتنةً
ليشرق
في أندائها .. الزهرُ والفجــــر
و
أسكنتُها القلبَ النـــديَّ و صغتُها
لآلئَ عقدٍ.. راح يخطِفها التبــــر
وطوّعتُ
ما استعصى وألجمتُ أحرفا
ليمنحَ أسبابَ
الحياةِ .. لها سِــــفر
رسمتُكِ
.. يا حسناءُ بــوحَ قصيدةٍ
منمقـــةٍ
عصماءَ .. و شَّحها السحـــرُ
تبــاهي
قوافيهـــا جمـــالَ خـدودِها
وفي
شــطِّ عينيها قد انتظـــمَ البــحرُ
يُفتِّــِقُ
أبكــارَ المعــــاني .. نسيجُها
كما
فتَّقَ البُرعومَ في الرَّوضةِ الـــزهر
فأبياتُها
.. من كخل عينيكِ كُــــحِّلتْ
و
مــلءُ قوافيــها الصبابــاتُ والذكــر
و
عيناكِ يا حسناءُ .. كانت رويـّها
و
ديباجتاهـــا الثغـرُ والصـدرُ والنحـر
ترى
اللعسَ في بيت القصيد استعارَةً
ويُكني
عن الأجفـانِ من سحرِها سحر
تحاكي
القوافي الغيدَ في كل مطلعٍ
اذ
الطــلُّ و الأنـداءُ .. في رِمشها كُثر
بها
كلُّ معنىً يعشقُ اللفظَ حرفُـــه
..............................
و مازجَ .. حتى ما يبـــاحُ له ســــتـر
تدقُّ
معانيها .. و رقَّتْ بلفظها
...................
.......... فتسكِرُكَ الأبيــاتُ .. ما أسكــرَ الثغـــر
أقومُ
بنحتِ الحرفِ في جوفِ صخرةٍ
..........................
و أصقلُه .. حتى يطاوعَني الصخرُ
و
أغرفُ من بحرِ البيانِ لآلئــــــــــًا
..........................
فيبرقُ ياقوتٌ .. و يستبرقُ الشعر
ويشربُ من خمري الزمانُ قصائدًا
..........................
فيمضي بهِ سكرٌ.. وقد ثمل الدهر
و
من ريقِ أرآمٍ .. مزجتُ مِــــدادَها
ومن
عطرِ ريـّاها .. قد امتزج الحــبر
ورصَّعت
من رتلِ اللآلي .. بــديعَها
فأظهرَ
حسنَ الرصفِ في وجهِها البِشر
أولـِّـــدُ
فيها .. كلَّ مــــعنىً مغيبـــــًا
فتسطعُ
في أنحائها جُمَــــلةٌ بِكـــــــــر
وان
هيَ الا الروحُ و الشَّهدُ صافيًا
و
نسمــةُ اشراقٍ ..أو الفِكــــرةُ البِــــكر
تُضاحــكُ
أزهارَ الربيــعِ جزالــــةً
فيرقصُ وجهُ المرجِ .. أو يضحكُ البـدر
يرفُّ
بها صــدرُ القصيــــدِ طلاوةً
كما
رفَّ في الحسناء مستشرفـًا صـدر
فللهِ أبيــــاتٌ ..
و لله خصــــرها
أقانيمهنَّ
البـَـوحُ و المَيــسُ والسحـــر
كأنَّ
مطاليـــعَ القصيـــد مُصــرَّعًا
عـذارى
على بسماتهنَّ .. صحـا الَفجـر
تأججُ
أرواحُ القـــوافي لسحرِهــــا
فيغفو
بها شطرٌ .. و يصحو لها شطـــر
يُسابقُ
معنــاها تراكيبَ لفظِها
فيمكثُ قبــلَ الأذنِ في الخـــافقِ الفكــر
جرى الشِّعْرَ شــلالا كشلالِ شعـرِها
كما
أغـدقَ الأمـواهَ في المســقطِ النـهــر
بها
كِبَرٌ في .. كلِّ لــــفظٍ و جمـــلةٍ
و
يحلـــو لــدى الحسناء بالشِّيمِ ..الكِبْر
تُعيرُ
الحروفُ الخمـــــرَ كلَّ ثمـالةٍ
و
يكني بها عن سحــر أجفانِـها ..سحـر
فيزهرُ
الهامٌ.. و تزدانُ صورةٌ
و
يبــــدُعُ ابــداعٌ .. بهِ يــــنتشي
فـــــكر
ففي
شفتيها .. ينضحُ الشَّهد مسكرًا
كــذلك
حـــال الخمرُ و الشـَّهدُ والســكر
تعتــَّقَ
دهـــرًا في سراديـبِ بابلٍ
وأثمـــلَ حتى ..ما يشـــاءُ له خمـــــــــر
على
ثـــغرِها قد ذابَ حلوُ حديثـها
كما
ذابَ شهدًا في تفاعــــيلِه البحــــــــر
هجرتُ
هجينَ اللفظِ اذ طابَ نظمُها
و
في شفة الحسناءِ .. يستعـذب الشعــــر
تعانقُ أعجازُ القصيـدِ صدورَها
تَعانـــــقَ أحبـــابٍ
يـــــلجُّ بهـــم هجـــــر
وذابت
بمتنِ القافيــــاتِ طــــلاوة ٌ
كمـــا
ذوّبـــتْ شـــهدًا على شفـــــةٍ ثغــــرُ
تغنى
بها دهــرٌ و ماستْ ثمالةً
و
تنتفضُ الدنيـا .. و قد ثمــلَ الدهـــــر
...............
خالد
ع . خبازة
قراءة
في قصيدة «القصيدة والحسناء»
للشاعر
خالد خبازة
«القصيدة والحسناء» يضعنا الشاعر خالد ع. خبازة أمام علاقة جمالية تتجاوز
التشبيه العابر؛ فالحسناء في النص ليست امرأة فحسب، والقصيدة ليست بناءً لغويًا فحسب،
بل كلاهما يتحول إلى كيان واحد تتداخل فيه فتنة الجسد وسحر الروح وجمال اللغة .
إنها
قصيدة تحتفي بالقصيدة ذاتها، وتجعل من الكتابة الشعرية فعل عشق، ومن صناعة البيت الشعري
فعل نحتٍ وتشكيل، حتى يبدو الشاعر وكأنه لا يصف امرأة بقدر ما يرسم صورة الشعر حين
يتجسد في هيئة جمال.
العنوان
يحمل مفتاح القصيدة:
القصيدة
= جمال مصنوع من الحروف
الحسناء = جمال مصنوع من الطبيعة
لكن
الشاعر سرعان ما يذيب الحدود بينهما، فتصبح الحسناء قصيدة، وتصبح القصيدة امرأة تُعشق.
يقول:
«رسمتُكِ
يا حسناءُ بوْحَ قصيدةٍ
منمّقةً
عصماءَ وشَّحها السحرُ»
هنا
لا يرسم الشاعر امرأة بالكلمات، بل يرسم الكلمات في هيئة امرأة. إن التحول المتبادل
بين القصيدة والحسناء هو الفكرة المركزية التي تقوم عليها التجربة كلها.
الشاعر
الصانع... لا الشاعر الواصف
من
أجمل ما يلفت النظر في النص أن الشاعر يقدم نفسه بوصفه حرفيًا ماهرًا، صانعًا للجمال،
لا مجرد ناقل للمشاعر.
يقول:
«أقومُ بنحتِ
الحرفِ في جوفِ صخرةٍ
وأصقلُهُ
حتى يطاوعني الصخرُ»
هذه
صورة بالغة الدلالة؛ فالحرف هنا ليس مادة سهلة، بل صخرة تحتاج إلى جهد وصبر. والشعر
عند الشاعر ليس تدفقًا عاطفيًا فقط، بل صنعة وفن ومجاهدة.
إنه
قريب من رؤية كبار الشعراء الذين يرون القصيدة بناءً معماريًا يحتاج إلى هندسة، لا
مجرد انفعال.
فالشاعر
لا يكتب القصيدة فقط، بل ينحتها.
معجم الجمال
واحتفال الحواس
تمتلئ
القصيدة بمعجم حسي غني:
الزهر
العطر
اللؤلؤ
الياقوت
الخمر
الشهد
النحر
الثغر
العين
لكن
هذه العناصر لا تأتي بوصفها زينة خارجية، بل تدخل في بناء عالم جمالي متكامل.
فالحسناء
في القصيدة ليست جسدًا فقط، وإنما فضاء تتجمع فيه عناصر الطبيعة والفن.
يقول:
«وفي شطِّ
عينيها قد انتظم البحرُ»
إنها
صورة تنقل العين من كونها جزءًا من الوجه إلى كونها عالمًا كاملًا. فالعين بحر، والقصيدة
سفينة، والشاعر هو المبحر في هذا الجمال.
التماهي
بين المرأة والقصيدة
الفكرة
الأكثر حضورًا في النص هي أن القصيدة تُعامل كما تُعامل الحبيبة:
«فأبياتها
من كحل عينيكِ كُحِّلتْ
وملءُ قوافيها
الصباباتُ والذكرُ»
هنا
تتحول عناصر القصيدة إلى عناصر أنثوية:
الأبيات
لها عينان.
القوافي
لها عطر.
المعاني
لها جمال.
الحروف لها
سحر.
وكأن
الشاعر يريد القول إن القصيدة الحقيقية كائن حي، لها ملامح وروح ونبض.
وهذه
من أجمل مستويات النص؛ لأنه يخرج الشعر من كونه كلامًا إلى كونه حياة.
البلاغة
بوصفها عشقًا
الشاعر
شديد الاحتفاء بالبيان، ويكاد يجعل البلاغة معشوقته الثانية.
يقول:
«وأغرفُ
من بحرِ البيانِ لآلئًا
فيبرقُ ياقوتٌ
ويستبرقُ الشعرُ»
فالبيان
بحر، والكلمات لآلئ، والشعر جوهر ثمين.
وهذه
الاستعارات المتتابعة تكشف عن رؤية شاعر يرى اللغة ثروة لا تنفد، وأن مهمة الشاعر ليست
استعمال الكلمات، بل اكتشاف الكنوز الكامنة فيها.
الموسيقى
والإيقاع
اختار
الشاعر من البحور العربية ذات النفس الممتد،
وهو اختيار مناسب جدًا لطبيعة القصيدة؛ لأن النص يقوم على التدفق والوصف والاسترسال.
كما
أن القافية المتواترة تمنح الأبيات جرسًا متتابعًا، يجعل القصيدة أقرب إلى نشيد احتفالي
بالجمال.
ويظهر
تمكن الشاعر من أدواته العروضية في المحافظة على الإيقاع رغم طول النفس الشعري وكثرة
الصور.
المبالغة
الجمالية بين القوة والمأخذ
من
سمات القصيدة اعتمادها الكبير على المبالغة، وهي سمة مألوفة في شعر المديح والغزل العربي.
فالحسناء
تبلغ مرتبة تكاد تتجاوز الطبيعة:
«تنتفض الدنيا
وقد ثمل الدهرُ»
فالدهر
نفسه يصبح ثملًا من جمالها.
وهذه
المبالغات تمنح النص فخامته واحتفاليته، لكنها في بعض المواضع قد تجعل الصورة تقترب
من التراكم؛ إذ تتوالى صور الجمال بكثافة عالية حتى يصبح القارئ أمام فيض متواصل من
اللآلئ والعطور والخمر والشهد.
غير
أن هذا التراكم يبدو مقصودًا؛ لأن الشاعر لا يريد وصف الجمال بقدر ما يريد إغراق المتلقي في تجربة الجمال .
القصيدة
بوصفها مرآة للشاعر
على
الرغم من أن ظاهر النص غزل، إلا أن العمق الحقيقي فيه هو حديث الشاعر عن نفسه وعن علاقته
بالشعر.
فالحسناء
في جانب كبير منها رمز للقصيدة المثالية التي يبحث عنها الشاعر:
يريدها مكتملة.
يريدها ساحرة.
يريدها عصماء.
يريد أن
تجمع بين المعنى والموسيقى.
ولهذا
يمكن قراءة النص باعتباره قصيدة عن الحب الشعري
للشعر نفسه .
إن
الشاعر لا يعشق امرأة فقط، بل يعشق لحظة اكتمال القصيدة.
قصيدة
«القصيدة والحسناء» للشاعر خالد خبازة هي احتفال شعري بالجمال في أرقى
صوره؛ جمال المرأة، وجمال اللغة، وجمال الصنعة الفنية.
لقد
استطاع الشاعر أن يبني عالمًا تتوحد فيه الحروف بالملامح، والمعاني بالملذات، والقصيدة
بالحبيبة.
إنها
قصيدة شاعر يؤمن بأن الكلمة ليست وسيلة للتعبير فقط، بل كائن حي يُخلق ويُصقل ويُعشق.
وأجمل
ما فيها أنها لا تقول: أنا أكتب عن الجمال
، بل تقول ضمنيًا:
أنا أصنع جمالًا آخر من الجمال؛ أجعل من الحسناء
قصيدة، ومن القصيدة حسناء.
وهنا
تكمن قوة التجربة: فالشاعر لا يصف الجمال من الخارج، بل يدخل إليه، ويعيد ولادته باللغة.

إرسال تعليق