U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

مجلة القدس الثقافية . نافذة الثقافة العربية . تصدر شهريا عن دار الثقافة . السنة السابعة العدد (41) - 2026م ضيفة العدد الأديبة والشاعرة السورية ليلاس زرزور


 ليلاس عبد الهادي زرزور

مواليد سورية / حلب

ماجستير في الحقوق / جامعة حلب ..

عضو في اتحاد كتاب العرب

تقيم في أمستردام ..

كتبت الشعر والتفعيلة والنثر والقصة القصيرة …

صدر لها عشرة دواوين ..

زدني عشقا عن دار ميرزا بيروت / 2011 تراتيل عاشقة 2015 عن دار أرواد / سورية

على همس الوريد 2016 عن دار التجمع العربي القاهرة همسات ليلكية 2016 عن دار التجمع العربي القاهرة

_ لي في هواك قصيدة 2017 عن دار أرواد / سورية

_ مهلا أيها السنونو 2018عن دار التجمع العربي القاهرة

ما يشبه الحنين وأكثر 2019 عن دار طيوف / القاهرة للحب بريق آخر 2020 عن التجمع العربي / القاهرة

_ كزهر الياسمين أو أقرب 2022 عن دار سكرايب / القاهرة

_ معك يكتمل الضوء 2023 عن دار سكرايب / القاهرة

_ صهيل القوافي 2025 هو مجموعة سجالات بينها وبين الشاعر العراقي الكبير عدنان الجميلي طبع في القاهرة عن دار التجمع العربي

_ مجموعة قصصية

_ مجموعة قصصية للأطفال / هولندا

_ قامت بإعداد وطبع كتاب الحلم العربي اشترك به 168 شاعر من كبار شعراءالوطن العربي

_ قامت بإعداد كتاب مواعظ و حكم اشترك به 210 شاعر من كبار شعراء الوطن العربي

شاركت بالعديد من الدواوين المشتركة

 

_ موسوعة الشعراء الألف

 

_ فرائد القصائد في المضمون الإجتماعي

_ موسوعة الشعر النسائي

_ والعديد من الواوين لنصرة غزة

 

_قدمت سلسلة حوار شعراء وأدباء

 

_ رئيس تحرير مجلة زهرة الليلك


عشقُكَ المجنون

 

عشْقُكَ المَجْنونُ أضْناني

وَببَحْرِ الشَوقِ ألقاني

إنْ تًغِبْ أو طالَ حِرماني

في سَنا عَينيكَ عُنواني

 

لكَ أشْكو مِنكَ ياغالي

من غِيابٍ هدَّ لي حالي

كانَ لَحْنُ الوَصْلِ مَوّالي

صارتِ الآهاتُ ألحاني

 

حينَ شبَّ الشَوقُ كالنارِ

قد بَكى عُودي وَقيثاري

وَفَشا دَمْعي بأسراري

وَانتهى  صَبْري وَكتْماني

 

كُنْ بقُربي لاتَغِبْ عَنّي

أنتَ رُوحي فاقتَربْ منّي

لسْتَ تَدري في النَوى أنّي

ذُبْتُ في وَجْدٍ ونَيرانِ

 

آهِ من وَجْدي وَمنْ أرَقي

مُهْجَتي في آخرِ الرَمَقِ

كمْ أرى عَينيكَ في الأُفُقِ

أبْرَقَتْ وَالنورُ أحْياني

 

كمْ سَهِرنا والهَوى ثَمِلُ

وَبنارِ الحُبِّ نشتَعِلُ

وَكُؤوسُ الوَصْلِ تنتَقِلُ

بينَ أزهارٍ ورَيحانِ

 

جَنّتي والخُلْدُ عَيناكا

إنّني ياقَيسُ ليلاكا

إنْ أكُنْ أدْمَنتُ رُؤياكا

لَذَّ يامَجْنونُ  إدْماني

 

طالَ بُعدي طالَ مُغْتَرَبي

بين جمْرِ الوجْدِ واللهَبِ

هل تُرى ألقاكَ في حَلبِ

فالهوى في البُعْدِ أبكاني

 

ليتَ عَهْدَ الوَصْلِ مارَحَلا

أينَ فينا الحالُ قد وَصَلا

صرْتُ أرْجو في النَوى أَمَلا

أنْ يَزورَ النَومُ أجْفاني

 

عشقُنا المَجْنونُ كالسِحْرِ

سَوفَ يَبقى في مَدى الدَهْرِ

كمْ أنا أهواكَ لا أدري

لا وَلا كمْ أنتَ تَهواني

 

ليلاس زرزور

 

 

 

وشاءَ الهَوى

 

على القلبِ مَوجُ الحُبِّ يَعلو وَيُطْبِقُ

وَما كانَ ظَنّي أنّني أتَعَلَّقُ

 

فقد كُنتُ أخْشى الحُبَّ ممّا سَمِعْتُهُ

عن الشوقِ إذْ يَكْوي القُلوبَ وَيَحْرِقُ

 

وَتُرهِبُني ليلى بصورَةِ دَمْعِها

وَقيسٌ على الأحجارِ مُلقى وَمُرْهَقُ

 

تَنوحُ عليهِ الريحُ وهْوَ بكَفّـهِ

يَخُطُّ اسْمَها في الرَملِ والرُوحُ تُزْهَقُ

 

وَليلى وراءَ الصَمتِ يأكُلُ روحَها

ضياعُ الأماني والفُؤادُ المُمَزَّقُ

 

تُحَدِّقُ في الآفاقِ خَوفاً ولَهْفَةً

وَعينُ المَنايا في فَتاها تُحَـدِّقُ

 

فَتبكي عُيونُ الشمسِ من مَوتِ عاشقٍ

وَتبكي على ليلى طَويلاً وتُشْفِقُ

 

فَهَلْ بعد هذا أنْ أفَكِّرَ ياتُرى

بأنّي بيومٍ سَوفَ أهوى وأعْشقُ ؟

 

وشاءَ الهَوى أنْ ألتقيكَ بصِدفَةٍ

وَعيناكَ تَدعوني وبالحُبّ تبْرُقُ

 

فقُلتُ لقَلبي...لا ..تَحاشَ بريقَها

وإلاّ سَيُضنيكَ السُهادُ المُؤَرِّقُ

 

فَلاحَ شُعاعٌ يَملأُ الرُوحَ بَهْجَـةً

وَغُصْنُ منَ الأشْواقِ في القلبِ يُورِقُ

 

وَجاءتْ فَراشاتُ الغَرامِ تُحيطُنا

وشَمسٌ على الآفاقِ بالنورِ تُشْرقُ

 

وَعَن جانبَينا إذْ نسيرُ برَوضهِ

تَسيرُ طَواويسٌ.. وَوَرْد مُنَسَّقُ

 

هوَ القَدَرُ الآتي الذي لا تَرُدُّهُ

عُقولٌ فَلا رأيُ يُفيدُ وَمَنْطِقُ

 

جُنونٌ لذيذٌ في متاهاتِ سِحْرهِ

نرى الكَونَ جنّاتٍ وبالعِطرِ تعْبَقُ

 

فعٌدْتُ إلى ليلى وَبُؤسِ حَبيبها

فلاحتْ بعَيني دَمعَةٌ تتَرَقرقُ

 

فأدركْتُ أنَّ الحُبَّ نارٌ وَجَنّـةٌ

وَيحكُمُ في ذاكَ اللُقا والتَفَرُّقُ

 

فيا سيّدَ الإحساسِ ما أجمَلَ الهوى

وَنحنُ إلى قَلبِ النُجُومِ نُحَلِّقُ

 

وما أجملَ الإبحارِ حينَ تشابَكتْ

بكفِّكَ كفّي وَالشِراعُ يُصَفِّقُ

 

لو الحبُّ يَدري كمْ أحبُّكَ لارتَجا

بأنَّ لهُ قلبي يرِقُّ ويَخفِقُ

 

أُحاولُ مَنْعَ العينِ أنْ تَفضَحَ الهوى

وَعيني إذا ألقاكَ بالحبِّ تَنطُقُ

 

ولي آهَـةٌ في البُعْـدِ أكْتُمُ سِرَّها

وَللناسِ يَرويها الحَمامُ المُطَوَّقُ

 

فإنْ كُنتَ مُشتاقاً إليَّ فإنّني

بأضعافِ ماتَشتاقُ ليْ لكَ أشْوَقُ

 

يَليقُ لعَيني أن يُكَحّلُها البُكا

على أنَّ صبْري في غيابِكَ ألْيقُ

 

فمادامَ رُوحانا قد انصَهَرا مَعاً

فََلستُ منَ الأيّامِ والبُعْـدِ أقلقُ

 

ليلاس زرزور

 

من #ديوان_وشاء_الهوى

 

 

عُمري هواك

الشاعرة ليلاس زرزور

 

يامَنْ على عَرْشِ الفُؤادِ تَرَبَّعا

بكَ ذابَ قَلبي وَانتَشى وَتَوَلَّعا

 

وَهَواكَ في نبْضي وَفي رُوحي وَفي

كُلّي وَفي نَظَرِ العُيونِ توَزّعا

 

يأتي خَيالُكَ كي يُبَدِّدَ وَحْشَتي

وَأنا بغَيرِ لقائنا لن أقْنَعا

 

آهٍ منَ الأشواقِ في ليلٍ بهِ

صَبْري تَفَرَّقَ وَالحَنينُ تَجَمَّعا

 

فالغَيمُ لَمْلَمَ دَمْعَـهُ وَنأى وَلي

شَوقٌ بطُولِ الليلِ يُجْري الأدْمُعا

 

وَلَقَد ذَكَرتُ بدايةَ العشْقِ التي

جَعَلتْ حَياتي في وُجُودِكَ أروَعا

 

يَومَ التَقينا وَالعُيونُ تشابَكَتْ

نَظَراتُها وَالشَوقُ هَزَّ الأضْلُعا

 

بِضْعٌ منَ السَنواتِ مَرَّتْ خِلْتُها

في عشْقِنا المَجنونِ بَرْقاً مُسْرِعا

 

عُمْري هَواكَ. وإنَّ لي مِن قَبْلِـهِ

عُمراً تَلاشى في الضَبابِ مُضَيَّعا

 

نَظَرَتْ عُيونُكَ لي فألقَتْ سحْرَها

وَعبيرُ شَوقٍ في المَكانِ تَضَوَّعا

 

وَفَهِمْتُ نَظْرَتَها فَهِمْتُ بها وَمَنْ

سَيَرُدُّ داعي الحُبِّ لو مِنها دَعا

 

ماكانَ أحْلانا بيَومِ لقائنا

وَالشَمسُ تَلبَسُ من غُيومٍ بُرْقُعا

 

وَالشارعُ المَمْطورُ أعطاهُ الهَوى

من نبْضِ قَلبينا جمالاً مُمْتِعا

 

لمّا مَشَينا خِلْتُ أحلاميْ مَعي

تَمْشي وَقَلبي للغَرامِ تَشَجّعا

 

من ها هُنا ابتَدأتْ حكايَةُ عشْقِنا

نَهْراً بأشواقِ الصَبابةِ مًتْرَعا

 

ياشَهْرَ كانونَ الذي مِن بَرْدهِ

تَرجو الوَرى شَمْسَ السَما أن تَطْلَعا

 

لو كنتَ تَعْلَمُ كيفَ يَلْسَعُني الهَوى

لرأيتَ بَرْدكَ دافئاً لن يَلْسَعا

 

مازالَ مَنْ يَرمي الثَرى من كفّـهِ

مابينَنا بنَصيحَتي مُتَقَنِّعا

 

يالائمي دَعْني فَسَعْيُكَ خائبٌ

دَفْنُ المُحيطِ بحَفْنَـةٍ لن يَنْفَعا

 

ياغائباً عَنّي وَحُبُّكَ شاغِلي

في القَلبِ عَرْشُكَ باللآلئِ رُصِّعا

 

طِرْ بيْ إلى ضَوءِ النُجُومِ فإنّنا

سَنرى جِنانَ الخُلْـدِ مادُمْنا مَعا

 

ليلاس زرزور

 

 

دمشق

ليلاس زرزور

 

دمَشقُ قُولي مَتى في القُرْبِ نرتاحُ

إليكِ يا أُمَّنا تَشتاقُ أرواحُ

 

وكُلُّ شَوقٍ لنا صَبْرٌ يُهَدْهِدُهُ

إلاّ إليكِ فإنَّ الشَوقَ ذَبّاحُ

 

وَالذكرياتُ إلى بَحْرٍ تُسافرُ بيْ

وَكمْ بأمْواجـهِ قد تاهَ ملّاحُ

 

ما زلتُ أذكُرُ فيها دَرْبَ مَدْرَسَتي

والياسَمينُ على جَنبيهِ فَوّاحُ

 

وَفي الحَقائبِ أحلامٌ مُخَبّأةٌ

لها ابتَسَمْنا وَوَجْـهُ الشَمسِ وَضّاحُ

 

أينَ الزَمانُ الذي عِشناهُ في تَرَفٍ

والكَونُ بِشْرٌ وآمالٌ وأفراحُ !

 

شوقاً لِحاراتِها والعِطْرُ يَغمُرُها

أُخْفي الشُجونَ وَدَمْعُ العَينِ فَضّاحُ

 

إلى مَآذِنها في الفَجْرِ صادحَةً

والطَيرُ فوقَ ذُرى الأشجارِ صَدّاحُ

 

والسحْرُ في بَرَدى عند الشتاءِ إذا

عَنـهُ الضَبابُ بنورِ الشَمْسِ ينزاحُ

 

ماكُلُّ مَنْ طَلَبَ الحاجاتِ يُدْرِكُها

أو كلُّ مَنْ نَزَلَ الأمْواجَ سَبّاحُ

 

تاهَتْ خُطانا على أبْوابِ غُرْبَتِنا

وَالليلُ داجٍ ..وَما في الدَرْبِ مِصباحُ

 

مَنْ فارَقوكِ على كُـرهٍ تُلاحِقُهُمْ

نارُ الحَنينِ وَلو للخُلْـدِ قد راحوا

 

يَحِلُّ خَوفي إذا حَلَّ الظَلامُ وَليْ

في القلبِ جَمْرٌ وَفي العَينينِ أتراحُ

 

فالليلُ دُونَ سَماءِ الشامِ يُقْلِقُني

حَتّى كأنَ نُجُومَ الليلِ أشْباحُ

 

دمَشقُ عِشْقُكِ لاتَرقى لهُ لُغَةٌ

وَلايُتَرْجِمُهُ في البَوحِ إفْصاحُ

 

مَدَّتْ مَخالِبَها الأشرارُ واحتَشَدَتْ

حِقداً عليكِ وَكَلْبُ السُوءِ نَبّاحُ

 

وأنتِ مثلَ عَروسٍ في الطَريقِ مَشَتْ

وَفي أنامِلِها وَرْدٌ وقِدّاحُ

 

بَقِيتِ رَغْمَ عَويلِ الريحِ رائعةً

وَطَرْفُ عَينيكِ فَتّانٌ وَلَمّاحُ

 

أمْشي وأحْمِلُ آهاتي على كَتِفي

وَالقلبُ في مُدُنِ الأحزانِ سَوّاحُ

 

وَمَرْكَبُ العُمْرِ باقٍ في تَلَوُّعِهِ

وَكيفَ يَجْري هُنا وَالماءُ ضَحْضاحُ

 

أقُولُ والعَينُ قد جَفَّتْ مَدامِعُها

حَتّى تَراءتْ على الأجْفانِ أمْلاحُ

 

متى بقُربكِ أحيا ياتُرى وَمتى

عَنكِ المَشَقَّةُ والآلامُ تَنزاحُ ...؟

 

ليلاس زرزور

 

من ديواني "لي في هواك قصيدة"

 

 

قصصي القصيرة (1)

 

حين تتجمد الدموع

كانت “سما” اسماً لا يليق بها إلا حين ترفع وجهها نحو السماء، أما على الأرض، فكانت حياتها سجينة خيمة بالية ترتجف تحت وطأة شتاء لا يرحم. كانت في الخامسة والعشرين من عمرها، لكن عينيها الواسعتين بلون العسل الذائب، كانتا تحملان حزن أجيال بأكملها. بشرتها بيضاء شاحبة، كأن الشمس نسيت أن تمنحها قبلة الدفء منذ زمن بعيد. شعرها الأسود الطويل، الذي كان زوجها “فجر” يحب أن يمرر أصابعه بين خصلاته، صار الآن ملفوفًا بإحكام تحت حجاب قديم، تخفي فيه آخر بقايا جمالها عن عيون الشفقة والفضول. كانت أرملة، لكنها لم تكن وحيدة؛ لقد ترك لها “فجر” قطعتين من روحه قبل أن يرحل: توأم في الرابعة من عمرهما، “تيم” و”نغم”.

 

تيم، الصبي، كان نسخة مصغرة من أبيه، بعينين جريئتين وشعر فاحم بدأ يتمرد على رأسه الصغير. أما نغم، فكانت صورة طبق الأصل عن أمها، بنفس العيون العسلية الحزينة وبراءة الأطفال التي لم تجد فرصة لتتفتح. كانا عالمها، سبب بقائها على قيد الحياة، وفي الوقت ذاته، كانا مصدر قلقها الأبدي الذي ينهش روحها كل ليلة.

 

بدأ هذا الشتاء هجومه مبكرًا. لم يأتِ المطر تدريجيًا، بل انهمر دفعة واحدة كأنه ينتقم، ثم تبعه برد قارس تسلل من بين ثقوب الخيمة كآلاف الإبر الجليدية. والآن، منذ يومين، بدأ الثلج يتساقط. في البداية، كان رقيقًا كقطع القطن، فركض الأطفال بين الخيام يضحكون ويلتقطونه بأيديهم الصغيرة المتورمة من البرد. لكن سرعان ما تحولت النعمة إلى نقمة. تكاثف الثلج، وغطى الأرض بطبقة بيضاء سميكة، وحوّل المخيم إلى مقبرة صامتة وباردة.

 

داخل الخيمة، كانت سما تحارب معركة خاسرة. لم يتبقَ لديها سوى بضع قطع من الحطب الرطب الذي كان يطلق دخانًا أسود يخنق الأنفاس أكثر مما يمنح الدفء. كانت تجلس على الأرضية الترابية المتجمدة، وتضم تيم ونغم إلى صدرها، تلفهما بآخر بطانية نظيفة لديها. كانت تشعر بأجسادهما الصغيرة ترتجف ارتجافًا متواصلًا، وتسمع أسنانهما تصطك برفق.

 

“أمي، أنا بردانة،” همست نغم بصوت خافت، ودفنت وجهها الصغير في عنق أمها.

“يدي تؤلمني،” قال تيم وهو ينظر إلى أصابعه التي تحول لونها إلى الأزرق.

 

كل كلمة كانت سكينًا يغرس في قلب سما. كانت تشعر بالعجز يلتهمها. لقد باعت كل ما تملك: سوار ذهبي صغير كان ذكرى من والدتها، خاتم زواجها، حتى بعض الملابس التي لم تعد بحاجة إليها. كل ذلك ذهب ثمنًا لطعام وحطب لم يصمد طويلاً.

 

تضرعت إلى الله في صمت، ودموعها الحارة هي الشيء الوحيد الدافئ الذي شعرت به على وجهها. ثم اتخذت قرارها. لن تستسلم. لن تدع البرد يسرق منها طفليها كما سرق الحرب زوجها.

 

قبلت جبينيهما وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا: “سأعود حالاً. سأحضر لكم حطبًا كثيرًا، وسنجلس حول النار ونغني، اتفقنا؟”

أومأ الطفلان برأسيهما، وعيونهما الصغيرة تلمع بالأمل.

 

خرجت سما من الخيمة إلى العالم الأبيض القاسي. كان الهواء جليديًا، يصفع وجهها ويجعل التنفس مؤلمًا. كانت الريح تعوي بين الخيام كذئب جائع. بدأت رحلتها المذلة. طرقت باب الخيمة المجاورة، ثم التي تليها، لكن الإجابات كانت تتكرر: “نحن في نفس الحال”، “الله يكون في العون”.

 

وصلت إلى مكتب توزيع المساعدات في طرف المخيم. كان عبارة عن كرفان معدني كبير، مغلق بإحكام. طرقت الباب بقوة، ويداها قد خدرتا تمامًا من البرد. بعد دقائق، فُتح الباب قليلاً، وظهر وجه حارس شاب.

“المكتب مغلق. التوزيع غدًا صباحًا”.

“أتوسل إليك،” قالت سما والدموع تتجمد على رموشها، “أطفالي… التوأم… إنهم يرتجفون. أي شيء، بطانية قديمة، قطعة حطب مكسورة… أي شيء يبقيهم على قيد الحياة حتى الصباح”.

نظر إليها الحارس بنظرة خالية من أي تعابير. “هذه هي القوانين. عودي غدًا”. وأغلق الباب في وجهها.

 

وقفت سما متجمدة، تشعر بأن كل الأبواب قد أُغلقت في وجهها. لكنها تذكرت شيئًا. على أطراف المخيم، هناك بلدة صغيرة بها بعض المكاتب والمحلات. تذكرت أنها سمعت من إحدى النساء أن صاحب مكتب للخدمات المنزلية هناك يبحث عن عاملة تنظيف لبضع ساعات في المساء. كان الأمل ضئيلاً، لكنه كان كل ما تملكه.

 

سارت في الثلج، وقدميها تغوصان في البرد القارص. استغرق الأمر منها قرابة الساعة لتصل إلى المكتب الذي كان لا يزال مضاءً. طرقت الباب الزجاجي بيد مرتجفة. فتح لها رجل في الخمسين من عمره، ببطن بارز ونظرات لزجة فحصتها من رأسها حتى أخمص قدميها.

“نعم؟”

“سمعت أنك تبحث عن عاملة تنظيف…” قالت بصوت خافت.

أدخلها الرجل بسرعة وأغلق الباب. “نعم، نعم. المكتب في فوضى عارمة. نظفيه جيدًا وسأعطيك أجرًا يدفئك الليلة”.

شعرت سما بعدم ارتياح لنبرته، لكن صورة طفليها وهما يرتجفان طردت كل المخاوف. أمسكت بالدلو وأدوات التنظيف وبدأت العمل بكل قوتها. كانت تمسح الأرضيات، وتنفض الغبار، وتلمع الزجاج، وكل خلية في جسدها تصرخ من الإرهاق والبرد. كان الرجل يراقبها بصمت، وعيناه لا تفارقانها.

 

بعد أن انتهت، وقفت أمامه وقالت: “لقد انتهيت يا سيدي”.

ابتسم الرجل ابتسامة مقيتة، واقترب منها. “عمل رائع. أنتِ سريعة وجميلة أيضًا”. مد يده ليلمس وجهها.

انتفضت سما وتراجعت إلى الخلف كأن أفعى لدغتها. “أريد أجري من فضلك”.

“الأجر له ثمن آخر يا حلوة،” قال وهو يتقدم نحوها ويحاول الإمساك بذراعها. “بضع دقائق لن تضرك، وسأعطيك ضعف ما اتفقنا عليه”.

 

في تلك اللحظة، لم ترَ سما أمامه سوى وحش. صرخت ودفعته بكل ما أوتيت من قوة، وركضت نحو الباب وفتحته وانطلقت إلى الشارع المظلم، لا تلوي على شيء. لم تأخذ أجرها، بل أخذت معها إهانة جديدة وجرحًا أعمق في روحها المنهكة. كانت تركض في الثلج، والدموع الحارة تسيل على خديها المتجمدين، ليس من البرد هذه المرة، بل من القهر والذل.

 

عادت أدراجها نحو المخيم، مهزومة، محطمة، خالية الوفاض. كانت تمشي بلا هدف، ورأسها يدور. كيف ستعود إلى طفليها؟ ماذا ستقول لهما؟ وبينما هي في أسوأ حالات يأسها، وقعت عيناها على شيء بجانب مكتب المساعدات الذي طُردت منه. كومة من الصناديق الخشبية الفارغة. كانت مبللة ومغطاة بالثلج، لكنها خشب. لمع بريق أمل خافت في عينيها.

 

ركضت نحوها، وبدأت تحاول كسر أحد الصناديق بيديها المتجمدتين. كان الخشب قاسيًا ورطبًا، وكل محاولة كانت تمزق جلد يديها. لم تهتم بالألم، لم تهتم بالدم الذي بدأ يسيل ويمتزج ببياض الثلج. كانت صورة تيم ونغم هي كل ما تراه. بعد عناء كاد يكسر عظامها، نجحت في انتزاع بضع قطع من الخشب المكسور.

 

جمعتها بين ذراعيها كأنها أغلى كنز في العالم، وبدأت رحلة العودة إلى خيمتها. كانت خطواتها ثقيلة، والبرد قد تسلل إلى أعماق عظامها. كل خطوة كانت أصعب من التي قبلها. كانت ترى خيمتها من بعيد، نقطة داكنة في بحر من البياض، لكنها بدت بعيدة كأنها نجم في السماء.

 

أخيرًا، وصلت إلى مدخل الخيمة. زحفت إلى الداخل وهي بالكاد تتنفس. كان الظلام قد حل، والصمت مطبق في الداخل. صمت أثقل من صمت الثلج في الخارج.

“لقد عدت…” قالت بصوت متقطع. “لقد أحضرت الحطب”.

 

وضعت الخشب جانبًا، وتحسست طريقها في الظلام نحو الركن حيث تركت طفليها.

“تيم؟ نغم؟ أمكم هنا”.

لم يكن هناك جواب.

مدت يدها لتلمس وجه نغم. كان باردًا. باردًا كقطعة من الجليد. هزتها برفق. “نغم… حبيبتي، استيقظي. انظري، لدينا نار الآن”.

لم تتحرك.

انتقل قلبها إلى حلقها، وتحسست وجه تيم. نفس البرودة القاتلة. نفس السكون المميت.

 

أشعلت قداحتها المرتجفة، وضوء اللهب الصغير كشف عن الحقيقة التي كانت روحها ترفض تصديقها. كانا مستلقيين بجانب بعضهما، متكورين كأنهما يعانقان بعضهما البعض بحثًا عن دفء أخير. وجوههما الصغيرة كانت هادئة، زرقاء اللون، وعلى خد نغم كانت هناك دمعة متجمدة، كأنها لؤلؤة حزن أخيرة.

 

لقد رحلا. بينما كانت هي في الخارج تقاتل العالم من أجلهما، تسلل الموت بصمت وسرق أرواحهما البريئة.

 

صرخت سما. صرخة تمزق الروح. احتضنت جسديهما الصغيرين الباردين، وضمتهم إلى صدرها بقوة، كأنها تحاول أن تعيد إليهما الدفء من جسدها الذي كان قد بدأ يبرد هو الآخر.

 

لم تبكِ. كانت دموعها قد جفت. جلست هناك في الظلام، تحتضن طفليها، تهدهدهما وتغني لهما أغنية نوم قديمة. كان صوتها يخرج متقطعًا، ضعيفًا، يختلط مع عواء الريح في الخارج.

 

في صباح اليوم التالي، عندما بزغ ضوء شمس شاحب على المخيم الأبيض، لاحظ الجيران أن مدخنة خيمة سما لم يخرج منها أي دخان. ذهبوا لتفقدها، فوجدوها جالسة في نفس الوضع، ظهرها مستند إلى عمود الخيمة، تحتضن طفليها. كانت مغطاة بطبقة رقيقة من الجليد، ووجهها شاحب كالثلج الذي يحيط بها. لكن عندما لمسها أحدهم، شعر بنبض خافت، ضعيف كخيط رفيع على وشك الانقطاع. كانت لا تزال على قيد الحياة، عالقة في لحظة أبدية بين عالمين، تحتضن الموت وتأبى أن تتركه. لم يعرف أحد هل كانت تلك بقية رحمة من السماء أم بداية لعذاب أشد، ففي بعض الأحيان، يكون البقاء على قيد الحياة أقسى من الموت نفسه، خاصة حين يصبح كل ما تحيا من أجله مجرد ذكرى باردة.

 

ليلاس زرزور

 

 

 

في حوار دار بيني وبين الشاعر الكبير عدنان الجميلي  ونحن نجهّز لعدد المجلة عن الخير و الشر ومن يسجّل التاريخ الذي وصلنا ودرسناه في كل مراحلنا التعليمية حيث  الصراع بين الخير و الشر من أقدم الصراعات التي شهدتها الإنسانية بدءاً من قصة هابيل وقابيل إلى يومنا هذا

والتاريخ  يدوّنه دائما المنتصر ..

فالأقوى سواء حكاماً أو غزاة او طبقات حاكمة هم من يملكون الموارد والوسائل لكتابة وتوثيق الأحداث من وجهة نظرهم ، فهؤلاء الأقوياء يمكنهم التحكم بالسرد ، وطمس الروايات  ولا يصلنا من رسائل الأضعف إلا من خلال الروايات الشفوية والتواتر .. فكان هذا السجال الذي دار بين ليلى و الذئب  حيث يستحضر الذئب كل الأدلة ليثبت للعالم أجمع بأنه بريء من دم الجدة كما كان بريء من دم يوسف ، اتمنى أن يروق لكم وتكونوا  أنتمُ الحَكَمْ فيما ورد ..

دمتم بود

 

ليلى والذئب

 

ليلاس زرزور

 

لمَ قد أتَيتَ وأنتَ سرُّ شُجوني

مِن بَعـدِ فعلٍ غادرٍ وَمُشينِ  ؟

أنسيتَ يومَ لقائنا في غابَةٍ

أنسيتَ وَجْهيَ بعدَ طولِ سنين؟

وأنا ألملِمُ باقَـةً من زَهْرِها

ضَمّتْ صُنوفَ الورْدِ وَالنسرينِ

أنسيتَ يومَ فَجَعْتَني؟ ليلى أنا

ذات الرداء الأحمرِ المَلْعونِ

قد كنتُ أجمَعُها لأُفْرِحَ جَدّتي

وهي العليلةُ دونَ أيِّ مُعينِ

في بيتِها الخَشبيِّ ترقُدُ وَحدَها

تحْيا بأروعِ راحَةٍو سُكونِ

وَلقد دَللْتُكَ بيتَها ببَراءتي

وَلها بحقْـدٍ قد ذهبتَ دَفينِ

فأكَلْتَها يامُسْتَبدُّ ولم يزلْ

دَمُها الطَهورُ بنابِكَ المَسْنونِ

 

عدنان الجميلي

 

عُودي لرُشْدِكِ .وَحّدي ربَّ السَما

لاتَحْكُمي بالظَنِّ والتَخمينِ

أينَ الدَليلُ على اتّهامكِ لي هُنا ؟

إنْ كانَ عندكِ واحِدٌ ..فَاعطيني !

فأنا تَرَكتُ اللحمَ مُنذُ طُفولَتي

حتّى نَباتيّاً غَدا تَكْويني

لَمّا التَقيتُكِ كُنتُ في دَرْبي إلى

أهلِ الفَضيلَةِ والتُقى وَالدينِ

ماكُنتُ آكُلَ قِطْعَةً من لَحْمِـهِ

لو جئتِ في كَبْشٍ إليَّ سَمينِ

بوزارةِ الأوقافِ آملُ بعدما

قَدّمتُ أوراقي لها ..تَعييني

أرِدُ المَساجدَ خاشعاً وَتَجاوَزتْ

حَبّاتُ مِسْبَحتي على التسعينِ

عُودي لِقِصّـةِ يوسفٍ وَتَأمَّلي

إخوانُهُ في أكْلِهِ اتّهَموني

وَأنا بريءُ والفضائلُ دَيدَني

وَفِعالُ أهلِ الخَيرِ تَسْتَهويني ..

 

ليلاس زرزور

 

مازلتَ شرّيراً وَمُفتَرساً فلا

تَرمي الرَمادَ مُخادعاً بعُيوني

بكلامِ مَغبونٍ أتيتَ ولمْ تَكُنْ

ياسيّدَ الأشرارِ بالمَغبونِ

قد كنتَ تَجمَعُنا لتأكُلنا معاً

لكنْ وَجَدتَ الرأيَ بالمَضمونِ

فأكَلْتَها ثمَّ ارتَديتَ ثيابَها

وَرَقَدتَ فَوق سَريرِِها المَركونِ

حتّى أتيتُ وقد ظَنَنْتُكَ جَدَّتي

وترُدُّ حينَ سألتُها في لينِ

فيمَ العُيونُ كبيرةٌ ؟ فتقولُ لي

حتى أراكِ لكي يجفَّ أنيني

وَلمَ الأذانُ كبيرةٌ؟ فتُجيبُني

فيها سأسمَعُ صوتَكِ الحَسّوني

ولمَ النيوبُ طويلةٌ ؟ فأجبتَني

هيَ لافْتراسِكِ طَقطَقَتْ بجُنونِ

لو لم يكُنْ في القُربِ صيّادٌ أتى

من لُطفِ ربّي..ذُقتُ منكَ مَنوني

 

عدنان الجميلي

 

شَوَّهْتِ بالقَولِ المُزَيَّفِ سُمْعَتي

فغَدَتْ بما أسْرَفْتِ بي..في الطينِ

والناسُ قد سَمَعوا إليكِ وَبعدَها

بالشرِّ والإيذاءِ قد وَصَفوني

قد ماتتْ القِيَمُ التي عِشْنا بها

والعَدْلُ جَعْجَعَةٌ بغَيرِ طَحينِ

وقَد انتَدبتُ مُحامياً لقَضِيَّتي

والآنَ تحتَ يدِ القَضاءِ طُعوني

عاتبتُ جَدَّتكِ التي من مُدّةٍ

قد أتلَفَتْ زَرْعي  بما يؤذيني

وَأنا فَقيرُ الحالِ أَعْملُ جاهداً

لأَفُكَّ من عَرَقِ الجَبينِ دُيوني

وَخَرَجتُ منها بعدما اعتَذَرتْ وَما

أضْمَرْتُ أو أبدَيتُ فِعْلَ الدُونِ

فَلَرُبّما مُذْ سِرْتُ قامَ بأكْلِها

شَبَحٌ يَعيشُ ببَيتِها المَسْكونِ

فَبدا لَكمْ مُتَمَثِّلاً في صُورَتي

وَيَعودُ مِن حينٍ كذاكَ لحينِ

وأنا وَديعٌ لستُ أعرِفُ ماجَرى

أحيا بقلبٍ مُشفِقٍ وَحَنونِ

فَرَجعتُ حتّى ألتَقيكِ ببابِها

فَوَقَعْتُ دُونَ جنايَةٍ بكَمينِ

فإذا بصَيّادٍ رَمى فأصابَني

والسهْمُ صارَ بجسميَ المطعونِ

 

ليلاس زرزور

 

قد كُنتَ في بعْضِ الحديثِ مُوَفَّقاً

فالعَدْلُ صارَ اليومَ كالعُرْجونِ

والمُجرمونَ تَسَيَّدوا ساحاتِنا

والأبرياءُ تَغَيَّبوا بسُجونِ

والسُخْفُ بالأشعارِ أصبحَ غالياً

والدُرُّ بالإبداعِ غيرُ ثَمينِِ

 

عدنان الجميلي

 

هي هكذا الدُنيا وهذا حالُها

مِن غَرْبِها حتى حُدودَ الصينِ

من سالِفٍ للأوفياءِ تَنَكَّرَتْ

وَزَهَتْ لكلِّ مُذَمَّمٍ وخَؤونِ

منذُ اتّهامكِ لي هَرِبتُ وإنّني

لمَرابِعِ الأوطانِ طالَ حَنيني

 

ليلاس زرزور

 

أينَ الحَنانُ؟ أفي مَخالبِكَ التي

بَقَرتْ بطونَ الناسِ مُنذُ قُرونِ

أمْ في عُيونِكَ وَهْيَ جَمْـرٌ مِنهما

مَن يسلُكُ الطرُقاتِ غيرُ أمينِ

أظَنَنْتَ نَفسَكَ للسلامِ حمامَةً

قد أثْقَلَتْ منقارَها بغُصونِ ؟

لا ياحليفَ الشرِّ لن أنسى الذي

قد أوقَدَ النيرانَ بين وَتيني

 

عدنان الجميلي

 

أنا ذاهبٌ ..وبراءتي مَنْسيّةٌ

وَلعَلَّ أهلَ الخَيرِ قد عَرَفوني

أشكو إلى الرَحمنِ بُؤسَ حكايتي

وَبَقاءَها في سِرِّها المَدْفونِ

 

ليلاس زرزور







تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة