نداءُ
الغياب
أُناديكَ...
لا صَوتٌ يُجيبُ تضرُّعي
سوى
رجعِ آهاتٍ بعمقِ ضبابِ
وأبعثُ
نحوَ الريحِ نبضَ قصائدي
فتَرجعُ
مثخنةً بطعنِ سرابِ
كأنَّ
الغيابَ استوطنَ العمرَ كلَّهُ
وألقى
على الأيّامِ ختمَ اغترابِ
فما
عادَ في عينيَّ غيرُ تشظِّيٍ
يُفتِّشُ
عن وجهٍ وراءَ حجابِ
أمرُّ
على الذكرى فتورقُ لوعةٌ
وتنهضُ
من رمقِ الرمادِ عذابي
وأسمعُ
في ليلِ التوجُّسِ رعشةً
كأنَّ
صداها آخرُ المستجابِ
فأصرخُ:
يا مَن كنتَ فجرَ حدائقي
ومرفأَ
أشواقي ودفءَ إهابي
أما
آنَ أن يُطوى الفراقُ، فإنني
تعبتُ
من الترحالِ بينَ غيابي؟
لقد
كانَ لي قلبٌ يُحلِّقُ واثقًا
فأضحى
كسيرَ الجَناحِ بغيرِ شِهابِ
ولكنَّني،
رغمَ انكساري، مُوقنٌ
بأنَّ
الرجاءَ يظلُّ حيًّا ببابي
فإنْ
متَّ في دربِ المودَّةِ أمنيتي
سيبقى
نداكَ الوضّاءُ ملءَ كتابي
ويَبقى
نداءُ الغيابِ قصيدتي
يُرتِّلُهُ
الشوقُ على كلِّ بابِ
فإنْ
غِبتَ، استعلى الحنينُ مُؤذِّنًا
على
قِممِ الأشواقِ فوقَ السحابِ
ويبقى
فؤادي، رغمَ نزفِ مسافتي،
يُجيدُ
نشيدَ الصبرِ عندَ الغيابِ.
...
اشرف يحيى ...
تُجسِّد
قصيدة «نداء الغياب» تجربة وجدانية عميقة تتكئ على ثيمة الفقد والحنين، حيث يتحول الغياب
من حالة عابرة إلى كيانٍ مهيمن يستوطن العمر ويطبع الأيام بختم الاغتراب. وقد استطاع
الشاعر أن ينقل معاناة الذات العاشقة بلغةٍ رقيقة مشحونة بالعاطفة الصادقة، فبدت القصيدة
أقرب إلى مناجاة داخلية تتردد أصداؤها بين الألم والرجاء.
على
المستوى الفني، يبرز البناء الصوري بوصفه أحد أهم عناصر الجمال في النص؛ فصورٌ مثل:
«أبعث نحو الريح نبض قصائدي فتَرجع مثخنة بطعن سراب»، و*«أمرُّ على الذكرى فتورق لوعة»*،
تمنح المعنى حيويةً وتكثيفًا دلاليًا، وتكشف قدرة الشاعر على تحويل المشاعر المجردة
إلى مشاهد حسية نابضة بالحركة. كما أن توظيف مفردات مثل: الضباب، السراب، الرماد، الفجر،
السحاب، أسهم في بناء حقل دلالي يجمع بين العتمة والنور، واليأس والأمل.
وتقوم
القصيدة على جدلية لافتة بين الانكسار والمقاومة؛ فالشاعر يعترف بكسرة القلب وتعب الترحال
في دروب الغياب، لكنه لا يستسلم لليأس، بل يترك نافذة مشرعة للرجاء في قوله: «ولكنني،
رغم انكساري، موقنٌ بأن الرجاء يظل حيًّا ببابي». وهنا يرتقي النص من مجرد التعبير
عن الفقد إلى التأكيد على قدرة الإنسان على الصبر والتشبث بالأمل رغم قسوة التجربة.
إنها
قصيدة تنتمي إلى الشعر الوجداني الذي يمتزج فيه صدق العاطفة بجمال الصورة وسلاسة الموسيقى،
فجاءت معبرة عن وجع الغياب بوصفه تجربة إنسانية مشتركة، وعن الحنين بوصفه القوة التي
تحفظ للذاكرة نبضها وللروح قدرتها على الاستمرار.
إرسال تعليق