U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

قراءة في قصيدة عَلَى مِرْفَقِ الْوَقْتِ للشاعر ناجي الجويني

 


* عَلَى مِرْفَقِ الْوَقْتِ **

​مُتَّكِئٌ عَلَى مِرْفَقِي
أُزَاوِلُ رَتَابَةَ الْوَقْتِ..
أَسْتَظِلُّ بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ التِّيهِ فِيَّ
أُشْعِلُ سِيجَارَةً كَيْ أَصْنَعَ خَيْمَةً ..
لِلذِّكْرَيَاتِ..
قَدْ قَاطَعْتُ شَبَحِي مُنْذُ خِيَانَتِي
لِلْكَلِمَاتِ...
مِذْ أَعْلَنْتُ هِجْرَتِي لِمَعَانِيَّ..
تَمَخَّضَ الصَّدَى فِي رُؤْيَايَ
يَزُورُنِي صَوْتٌ قَائِلاً..
قُمْ..
قُلْتُ..
مَنْ تَكُونُ وَلِمَا قَاطَعْتَ هُدُوئِي مَرَّتَيْنِ؟!!
قَالَ..
أَنَا شَبَحُكَ الْمَتْرُوكُ مِنْكَ مُنْذُ هِجْرَتِكَ
وَمَا شَأْنِي بِكَ وَقَدْ تَخَلَّيْتُ عَنْكَ؟
قَالَ..
أَنْتَ لَمْ تَتْرُكْنِي وَلَمْ أَبْتَعِدْ
كُنْتُ غَافِياً خَلْفَ مَدَاكَ الْمَحْدُودِ
أَنْقُشُ الْعَبَثِيَّةَ عَلَى جِدَارِ قَدَرِكَ...
أُزَاوِلُ أَفْكَارَكَ لِفَهْمِ قِصَصِ السِّنْدِيَانِ
انْهَضْ.. كَفَى تَلَكُّؤاً وَانْسُجْ مَا سَبَقَ
مِنْ تَلَهُّفِكَ الْمَفْقُودِ فِي الضِّفَّةِ الأُخْرَى
قُلْتُ..
لَكِنَّ رَذَاذَ غَيْمَتِي لَا يَبِلُّ شِعَابَهُمْ
مَا عُدْتُ أَرْغَبُ بِالْهَذَيَانِ...
قَالَ..
أَنْتَ مَنْ عَبَّدْتَ الطَّرِيقَ لِلصَّدَى
أَسْرَيْتَ بِالْمَجْهُولِ فِيهِمْ
وَأَمَرْتَ الْكَلِمَاتِ..
كُونِي جَسَدِي..
فَتَجَسَّدَ الْمَعْنَى فِي خُطَاكَ...
*************
​عُذْراً يَا أَبِي..
لَمْ تَكُنْ نَصَائِحُكَ ضِمْنَ مَدَارِي..
لَمْ أَتَعَلَّمْ مَعَاجِمَ الْقُوتِ
كُنْتُ أَتَلَقَّفُ مَا نَثَرَهُ ظِلِّي
مِنْ مَعْنَى الْكِبْرِيَاءِ..
وَكُنْتُ أَفْقِدُ كُلَّ مَرَّةٍ ضِلْعاً وَأَجْمَعُ
الأُمْنِيَاتِ...
أَتَّكِئُ عَلَى أَلِفِ النِّدَاءِ
كَيْ أَسْتَطِيعَ الْعَوْدَةَ إِلَيَّ..
كَيْ أَعُودَ إِلَى صَوْتِي كَيْ أَنْزِعَ الرِّدَاءَ
كَبُرْتُ يَا أَبِي..
شَاخَتْ فِينَا الأَمَانِي
كَأَنِّي سَائِغٌ لِلْمُسْتَحِيلِ..
وَالْمُسْتَحِيلُ صَارَ أَنَا
ناجي الجويني الشاعر
يقدّم نص «على مرفق الوقت» للشاعر ناجي الجويني تجربةً شعريةً ذات طابع تأملي وفلسفي عميق، تتجاوز حدود البوح المباشر إلى مساءلة الذات في علاقتها بالزمن والمعنى والوجود. فالنص لا ينشغل بسرد حدثٍ أو استعادة ذكرى، بقدر ما يغوص في طبقات الوعي الداخلية، حيث تتصارع الذات مع شبحها، ومع ماضيها، ومع الكلمات التي هجرتها ثم عادت تبحث عنها بوصفها طريقًا للخلاص.
ويُعدّ الحوار مع "الشبح" من أبرز المرتكزات الفنية في النص، إذ يتحول الشبح إلى صورة رمزية للذات الأخرى، أو للضمير الإبداعي الكامن في الأعماق. ومن خلال هذا الحوار تنشأ جدلية بين الاستسلام للرتابة والعبث من جهة، وبين الدعوة إلى النهوض واستعادة المعنى من جهة أخرى. وهنا ينجح الشاعر في بناء نص متعدد المستويات الدلالية، يجعل القارئ شريكًا في اكتشاف المعاني لا مجرد متلقٍ لها.
وتزخر القصيدة بصور شعرية حديثة تنتمي إلى فضاء قصيدة النثر، مثل: «أشعل سيجارة كي أصنع خيمة للذكريات»، و*«أنقش العبثية على جدار قدرك»*، وهي صور تتجاوز المألوف وتمنح النص طاقة إيحائية عالية، حيث يتحول المجرد إلى محسوس، والفكرة إلى مشهد بصري ونفسي نابض بالحركة.
أما القسم الثاني من النص، المتمثل في مناجاة الأب، فيضفي بعدًا إنسانيًا مؤثرًا، إذ ينتقل الشاعر من حوار الذات مع نفسها إلى حوارها مع رمز الحكمة والجذور. وتتجلى هنا مرارة التجربة الوجودية من خلال الاعتراف المتأخر بقيمة النصيحة، والإحساس بثقل الزمن وتآكل الأحلام. ويبلغ النص ذروة نضجه الدلالي في الخاتمة المكثفة: «كأني سائغٌ للمستحيل... والمستحيل صار أنا»، وهي عبارة تختزل رحلة طويلة من الصراع بين الطموح والواقع، وبين الحلم وحدود الممكن.
إنه نص ثري بالمفاهيم الفلسفية والإنسانية؛ يعالج قضايا الهوية والاغتراب الداخلي والبحث عن الذات والوفاء للجذور، ويؤكد أن الشعر ليس وصفًا للعالم فحسب، بل محاولة دائمة لإعادة اكتشافه وإعادة اكتشاف الإنسان في داخله. وقد نجح الشاعر في تقديم نص مفتوح على التأويل، تتجاور فيه الرؤية الفكرية مع الجمالية الشعرية في انسجام لافت.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة