قراءة
في قصيدة لَم أتقَحَّم للشاعر حسين صالح ملحم
بقلم أحمد بيطار
…
لَم أتقَحَّم ِ…
علِمتُ
مِنَ الآيات بعضَ توسُّمِ
وعدتُ
إلى الأشعارِ غايةَ سُلَّمِ
قلتُ
لها:
ولو
أنّني بين الخلائقِ هدهدٌ
وهبتكِ
عرشاً من عظيمِ تكرُّمِ
أحطّتُ
بما ليس الأنامُ تحيطه
وأعلم
أنّي قد أفوز بمغنمِ
فإنّي
إلى الأحبابِ بابٌ وقِبلةٌ
هواه
تجلّى في حضورٍ مُنَعَّمِ
فهذا
كتابي كي يصيرَ غنيمةً
وهذا
صراطي كي ألُوذَ بأسهُمِ
فإنّه
يابلقيسُ منّي هديّةٌ
وهبتكِ
قلباً بالمحبّةِ فانعمي
فقالت:
فهَب
أنّني بلقيسُ قلبكَ عرشُه
فكيف
توافي من يلوذ بأنجُمِ
وهبتكَ
ضِلعاً من ضلوعِ بدايتي
فما
زلتَ تحبو كي تفوزَ بمبسمِ
فلا
تَحطِمنَّ القلبَ ظلماً وغِيلةً
فإنّي
سأبقى في نعيمكَ أَسلَمِ
فَقُلتُ
لَهَا: يَا بِنْتَ غَيمٍ وَأَنجُمِ
رَكَبْتُ
بِحَارَ الشَّوقِ لَم أَتَلَعثَمِ
أَنَا
الهُدهُدُ الظَّمآنُ أَضنَاهُ غَيبُكُم
وَجِئْتُ
بِمَاءِ الرُّوحِ كَي تَتَبَسَّمِي
وَمَا
كَانَ عَرشِي غَيرَ بَعْضِ بَصِيرَتِي
صَنَعْتُ
القَوَافِي صرحَ عشقٍ مُعظَّمِ
حسين
صالح ملحم
تنهض
قصيدة **«… لم أتقحَّمِ…»** على بنية حوارية تستلهم الموروث القرآني، وتعيد توظيفه
داخل فضاء شعري وجداني، فتغدو قصة الهدهد وبلقيس إطارًا رمزيًا لتجربة إنسانية تقوم
على الحب، والبحث عن الاعتراف المتبادل، والإيمان بأن الكلمة الصادقة قادرة على بناء
جسور الوصال.
*علمتُ
من الآيات بعض توسّمي
وعدتُ
إلى الأشعار غايةَ سلَّمِ*
وهذا
المطلع يكشف منذ اللحظة الأولى عن المرجعية الثقافية للنص، حيث تتجاور الإشارة القرآنية
مع فعل الكتابة الشعرية، فيصبح الشعر امتدادًا للتأمل والمعرفة، لا مجرد وسيلة للتعبير
عن العاطفة. ومن هنا يعلن الشاعر أن تجربته لا تقوم على الاقتحام أو الادعاء، وإنما
على البصيرة والتدرج في اكتشاف المعنى.
ويُعد
استحضار شخصية **الهدهد** من أبرز مرتكزات القصيدة. غير أن الشاعر لا يكرر الحكاية
القرآنية، بل يعيد تشكيلها برؤية جديدة، فيجعل الهدهد رمزًا للعاشق الذي يحمل رسالة
قلبه كما حمل في القصة الأولى رسالة النبي إلى بلقيس. وهكذا تتحول الهدية من كتاب يحمل
دعوة إلى التوحيد إلى قلب مفعم بالمحبة، لتبقى الرسالة في الحالتين قائمة على الصدق
والإخلاص.
ويزداد
النص ثراءً حين يمنح الشاعر الطرف الآخر مساحةً كاملة للكلام، فتأتي إجابة المحبوبة
مساوية في القوة والبلاغة لخطاب العاشق. وهذا البناء الحواري يخرج القصيدة من دائرة
الصوت الواحد، ويمنحها طابعًا دراميًا يثري حركتها الداخلية، ويجعل العلاقة قائمة على
الأخذ والعطاء لا على البوح المنفرد.
ومن
الناحية الفنية، تتكئ القصيدة على شبكة من الرموز ذات الجذور التراثية؛ فـ**العرش**
لم يعد رمزًا للسلطة، بل أصبح موطن القلب، و**الهدهد** رسول العشق، و**الماء** صورة
للحياة الروحية، بينما تتحول **القوافي** إلى صرح يبنيه الشاعر بالحروف، لا بالحجارة.
وهذا التداخل بين الرمز الديني والرمز الشعري يكسب النص بعدًا تأويليًا، ويفتحه على
قراءات متعددة.
كما
يبرز في القصيدة حسن توظيف التناص، إذ يستثمر الشاعر قصة الهدهد وبلقيس بوصفها مرجعًا
ثقافيًا معروفًا، لكنه لا يقع في النقل أو المحاكاة، بل يذيب عناصرها في تجربته الخاصة
حتى تبدو جزءًا طبيعيًا من نسيج النص. وهذه القدرة على إعادة إنتاج التراث، لا استعادته
كما هو، تُحسب للشاعر من الناحية الفنية.
وتتميز
لغة القصيدة بالفصاحة والجزالة، مع ميل واضح إلى المعجم العربي الكلاسيكي، غير أن هذه
الجزالة لم تُثقل النص، بل جاءت منسجمة مع طبيعة الموضوع، وأسهمت في ترسيخ الإيقاع
الشعري. كما حافظ الشاعر على موسيقى متماسكة، فجاء الوزن والقافية عاملين في تعزيز
الانسياب العاطفي، دون أن يطغيا على المعنى.
ومن
أجمل أبيات القصيدة قوله:
*أنا
الهدهد الظمآن أضناه غيبكم
وجئتُ
بماءِ الروح كي تتبسمي*
فهنا
تتجلى صورة شعرية تجمع بين العطش والارتواء، وبين الغياب والحضور، فيتحول "ماء
الروح" إلى رمز للخلاص بالمحبة، وهي صورة تمتاز بعذوبتها وطاقتها الإيحائية.
وتختتم
القصيدة ببيت يختزل رؤيتها الفنية:
*وما
كان عرشي غير بعض بصيرتي
صنعتُ
القوافي صرح عشقٍ معظَّمِ*
إنه
اعتراف بأن البناء الحقيقي ليس بناء العروش، بل بناء المعنى، وأن الشعر هو الصرح الذي
يقيمه العاشق من الكلمات، لتغدو القصيدة نفسها شاهدًا على هذا التشييد الجمالي.
…
لم أتقحَّمِ… تجربة شعرية تجمع بين أصالة المرجعية التراثية وحداثة الرؤية الفنية،
حيث يوظف الشاعر **حسين صالح ملحم** التناص القرآني بوصفه عنصرًا جماليًا ورمزيًا،
لا مجرد استدعاء للنصوص. وقد نجح في بناء قصيدة تقوم على الحوار، وثراء الصورة، ورصانة
اللغة، وانسيابية الموسيقى، فجاءت قصيدته نموذجًا للشعر الذي يستمد قوته من الثقافة
والوجدان معًا، ويجعل من الحب فضاءً للمعرفة، ومن الكلمة جسرًا يصل بين القلب والقلب.

إرسال تعليق