ليس
العزاء في ازدحام الوجوه حولك، بل في قلب واحد يجيئك حين تضيق بك الطرق، كأنه يعرف
وجعك من غير أن تبوح.
في
ذلك الذي يربت على كتفك خفيفًا، كأن لمسته وعد بأنك لست وحدك، وأن ما تثقل به روحك
صار أخف بين يديه.
ليست
الكثرة دفئا، فكم من حضور بارد، وكم من غياب موجع…
لكن
الدفء الحقيقي فيمن يشعر بانكسارك قبل أن تلمحه، ويشاركك صمتك كأنه حديث طويل، ويجلس
إلى جوارك لا ليملأ الفراغ، بل ليحمل عنك بعضه.
هو
ذاك الذي يأتيك بلا نداء، كأن قلبه موصول بقلبك،
وحين
تميل بك الأيام، يسندك دون أن يسألك لماذا تميل… فقط لأنه رأى فيك ما لم تقدر أنت على
قوله.
أكتب
إليك من آخر ما تبقى من الحلم، ومن زاوية بعيدة في القلب أثقلتها الخيبات وأرهقها الانتظار.
أكتب من مكان لا تصل إليه الكلمات بسهولة، حيث تجلس الذكريات بصمت وتحصي ما أخذته الأيام
وما تركته من ندوب لا يراها أحد.
أكتب
بعدما تعبت من شرح ما لا يقال، ومن إخفاء ما يتركه الزمن من شقوق صغيرة في الروح. لا
لأشكو، ولكن لأن بعض الحزن إذا طال مقامه صار يحتاج إلى كلمة تخفف عنه وطأته.
أكتب
من قلب أنهكه الانتظار، ومن روح تعلمت أن تخفي انكساراتها خلف ابتسامة عابرة. أكتب
بعدما صار التعب رفيق الأيام، وصارت الأشياء الجميلة تمر كأنها حلم قصير لا يلبث أن
يتلاشى.
لم
أعد كما كنت.
إني
تعبت من الحنين وأنه
أضحى
رفيقا لا يمل ترددا
كل
الدروب إذا سلكت وجدتها
نحو
الذكريات تعود بي متعمدا
وكأن
عمري بعد غيبك قصة
فقدت
نهايتها وظلت مبتدا
فداك
القلب إن ضاقت ليالي
وأظلم
دربها حتى كأني
فلا
تشكو الزمان إذا تعثر
فكم
في الجرح ميلاد التمني
إذا
أبكاك يوم كنت فيه
فدمعي
قبل دمعك فيك مني
فخذني
إن أردت العمر كله
فأنت
الروح إن ضاقت بعيني
في
الممرات الخافتة من العمر
تتناثر
الذكرى
كغبار
سفر قديم،
ترافقنا،
لا
وجه لها،
غير
ومضات
توقظ
القلب
ثم
تمضي كأن لم تكن.
وتبقى
الأرواح
معلقة
بين
أمس لا يعود،
ونظل
كشرفات
مهجورة
تحصي
المواسم
وتنتظر
العابرين.
أسأل
فقط محضَ فضول
كيفَ
شعورُ القلبِ الهاربِ؟
هل
ظلَّ يفتقد الميناء
ويحنُّ
لصوتِ الشاطئ الصاخبِ؟
أم
صارَ يطاردُ ظلَّ سرابٍ
في
دربٍ موحشٍ ومتاعبِ؟
هل
نامَ قريرًا بعدَ فرارٍ
أم
باتَ أسيرَ الهمِّ الناشبِ؟
نَحْنُ
ضَحَايَا الدَّهْشَةِ الْأُولَى
العالقونَ
فِي الْمُنْتَصَفِ الْمُمِيتِ
الناقمونَ
عَلَى الْحَيَاةِ
المتعلقونَ
بِالأحلامِ...
العابرونَ
دُرُوبًا لَا نَعْلَمُ مُنْتَهَاهَا
السَّاكِنُونَ
الذِّكْرَيَاتِ حُبًّا
الفارونَ
مِنَ الْوَاقِعِ بُغْضًا
الصامتونَ
عَنْ الظُّلْمِ عَجْزًا
نَحْنُ
مَنْ باعدنا وابتعدنا
وَمَا
أَسْفَنَا عَمَّا ضَاعَ مِنَّا
نَحْنُ
الضُّعَفَاءُ
المحملونَ
بِجَبْرُوتِ التَّخَلِّي
وَالِاسْتِغْنَاءِ
نَحْنُ
مِنْ نَسُبِ الْحَيَاةِ
وَمَا
فِي الْحَيَاةِ عَيْبٌ سِوَانَا
أخفي
اشتياقي ما استطعت، وإنني
في
الليل أهزم حين يهدأ كل شيء.
ألوم
قلبي كلما نادى المدى
باسم
قديم ما أراد له المضي.
وأقول
كانت عثرة ومضت
ياقلبي
كفانا ما حملت من الشقاء.
فيرد
صمتي ليس يتعبني الأسى
لكن
يتعبني بقاء الذكريات
ما
بين كان وليت عمر كامل
ضاعت
به الأحلام والأمنيات.
وبقيت
وحدي كلما مر المساء
أحصي
الغياب وأستعيد الذكريات.
تطيل
رجاء العيش والدهر غادر
وتجهل
ما يخفي لك الغيب من أمر
فكم
من فتى أمسى يعد ليومه
فأصبح
تحت التراب في وحشة القبر
وكم
من سقيم ظن أن لا إقامة له
ثم
عاش العمر في رغد الدهر
وكم
من أمال بناها صاحب
فبددها
حكم الإله بلا عذر
فخذ
زادك التقوى فإنك راحل
وما
المرء إلا عابر فوق الجسر
يا
عزيزي، كلنا لصوص،
نسرق
ضحكة من وجه عابر،
ونسرق
دفئًا من ذكرى بعيدة،
ونسرق
أملًا من غد لا نعرفه،
ثم
نعيش بما سرقناه من الضوء
في
هذا العالم المزدحم بالعتمة.
ولا
تغتر بحسن المبتدا
فكم
خاب المؤمل في الرجا
وكم
باب ظننت له انفراجا
فكان
الخير في باب سواه
وكم
حلم حسبت له نجاتا
فأورث
قلب صاحبه الشقا
ظننت
أن النسيان يمحو ما انقضى
ويريح
قلبا بالحنين تقيدا
فإذا
به يحيي الذي وأدته
ويعود
بالذكرى إلي مجددا

إرسال تعليق