U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

قراءة في نص ذكرى تستحيل عن النسيان:للشاعرة حبيبة بالوالي بقلم أحمد بيطار

 

ذكرى تستحيل عن النسيان:

عندما يأتي المساء

أبحث عنك في الجوار

لأرى النور يتدفق في الحنايا

تدفق الزهور في الرياض و البستان

بحلله المزركشة و أحلام الياسمين

أحدق في اللامنتهى

في الأفق البعيد

علي أعثر على بقايا حبر

أكتب به على صفحات البياض

ما يجول في خاطري

من مشاعر و أحاسيس لا تنتمي إلى الحقيقة و لا إلى الخيال

أرنو إلى المدى وراء السحاب

أطرز ثوب الشوق بخيط

حب و وفاء و أمل

فلا أجد غير بقايا عذاب

تجذر في الروح و الوجدان

حتى بلغ من السماء العنان

عانق النجوم و القمر

في غفلة من الغياب

لفه الحزن و القلق

لم يعد للرؤيا سوى قبس

من شضايا ذكرى

مستحيلة النسيان

تأتي على الأخضر و اليابس

دون سابق إنذار

كيف التخلص من المعاناة

و الصَّغار

إن لم يعد للمرء جهد و إصرار

في أتون دوامة لا ترحم

بين الواقع و السراب

حبيبة بالوالي

 

في نص «ذكرى تستحيل عن النسيان» تنسج الكاتبة حبيبة بالوالي لوحةً وجدانية مشبعة بالحنين، حيث يتحول المساء إلى فضاءٍ لاستدعاء الذكريات، وتغدو الذاكرة موطنًا لصراعٍ دائم بين الرغبة في التمسك بالماضي ومحاولة الانعتاق من وطأة الألم. ومنذ المطلع، تضعنا الكاتبة أمام حالة تأملية عميقة تجعل من البحث عن الآخر بحثًا عن النور ذاته، بما يحمله من دفء وأمل ومعنى للحياة.

ويقوم النص على شبكة من الصور الشعرية الرقيقة التي تستمد جمالها من عناصر الطبيعة؛ فالزهور والياسمين والسحاب والنجوم والقمر ليست مجرد مفردات جمالية، بل رموزٌ لحالات نفسية متباينة تتأرجح بين الشوق والانكسار. كما أن صورة «تطريز ثوب الشوق بخيط حب ووفاء وأمل» من أجمل الصور في النص، لما تحمله من إيحاء بالصبر والإخلاص في مواجهة الفقد.

دلاليًا، يعالج النص إشكالية الذاكرة الإنسانية حين تتحول الذكرى إلى قوةٍ عصية على النسيان، تتسلل إلى الوجدان دون استئذان، وتفرض حضورها رغم محاولات التجاوز. فالكاتبة لا تتحدث عن ذكرى عابرة، بل عن أثرٍ نفسي متجذر بلغ من العمق ما جعله يعانق النجوم والقمر، في إشارة إلى اتساع مساحة الألم وامتدادها داخل الذات.

ويبرز في خاتمة النص بعدٌ فلسفي لافت، إذ تنتقل الكاتبة من الخاص إلى العام، متسائلة عن قدرة الإنسان على مواجهة دوامة الحياة بين الواقع والسراب، مؤكدة ضمنيًا أن النجاة لا تكون إلا بالإرادة والإصرار. وهنا تتجاوز التجربة حدود البوح الشخصي لتلامس الهم الإنساني المشترك.

إنه نص وجداني يمتاز بعذوبة اللغة وثراء الصورة وصدق الشعور، ويقدم تأملًا إنسانيًا عميقًا في الذاكرة بوصفها مساحةً يتجاور فيها الجمال والألم، والحنين والمعاناة، في معادلةٍ تجعل بعض الذكريات مستحيلة النسيان.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة