_ لَيالي الصَّيْف _
غَريبٌ
في الشآمِ،وأَشْتَهيهِ
وقلبي
في الْبَقيعِ،ومايَلِيهِ
أصاحِ
على تهامةَ قِفْ قليلاً
وحاذِرْ
أنْ تَتُوهَ بِعَرضِ تِيْهِ
لقَدْ
نَضبَتْ،ولا تَأْلو انْسِجاماً
فلا
تَضْنُنْ بِدمعٍ أنْ تُريهِ
وكانَتْ
سَلْوَتي في سَكْبِ دَمْعٍ
وَراحَةُ
خاطري فيها،وفِيهِ
فَلاتُنْكِرْ
عَلَيَّ اليومَ أنِّي
وَحيدٌ.لم
يَعُدْ لي مِنْ شَبيهِ
أيَعُقَلُ
أنْ ترَى بأْساً بِحُزني
وأنَّكَ
بعدَ هذا تَزْدريهِ ؟
أنا
والشَّوقُ صِنْوا كُلِّ ليلٍ
وليلُ
الصيف ِ تَرحالي أخِيهِ
ولا
تَنْهَ الهوى عٕنِّي،فَقَلْبي
إلى
حَيْثُ اسْتَقَرَّ ،سَيَقْتَفِيهِ
لَعَمْرُك
مانَسيتُ جَبالَ طَيءٍ
وَهَلْ
يٕنْسى المُحِبُّ
بَنِي أبِيهِ؟
ألا
لَيتَ الَّذي أنْآهُ بُعْدٌ
يَجُودُ
بِهِ الزّٕمانُ،فألتقيهِ
فَلِي
وَطَنٌ بِيَثربَ في خَيالي
أَضُنُّ
بِهِ عليْهِ،وأفْتَديهِ
لَئِنْ
غابَتْ معالِمُ كُلِّ شَيْءٍ
فَروحي
في الظَّلامِ سَتَهْتديهِ
سأتي
ذاتَ يوْمٍ؛سَوْفَ آتي
وأَلْثُمُ
تُربَهُ،وأمُوتُ فِيهِ
على
قَدَمَيْهِ قَدْ سَقَطَتْ عُيُوني
أَبيْعُ
دَمِي فِداهُ،وأَشْتَريهِ
أَبُثُّ
هَواهُ مَنْثُوراتِ بَوْحٍ
ومَنْظوماتِ
مُرْتِجِلٍ نَبِيْهِ
#شعر_سلوم__العيسى
.
في
قصيدة «ليالي الصيف» ينسج الشاعر سلوم العيسى نصًّا وجدانيًا مشبعًا بالحنين المكاني
والروحي، حيث يمتزج الشوق إلى الوطن بالشوق إلى الديار المقدسة، فتغدو القصيدة رحلةً
في جغرافيا الذاكرة أكثر منها انتقالًا بين الأمكنة. ومنذ البيت الأول تتجلى حالة الاغتراب
بوضوح: «غريبٌ في الشآم وأشتهيه»، وهي مفارقة دلالية تكشف تعلّق الشاعر بالمكان الذي
يقيم فيه، مع بقاء القلب معلّقًا بأرض أخرى تمثل جذوره الروحية والوجدانية.
ويبرز
في النص توظيف بارع للموروث الجغرافي والتاريخي من خلال استحضار الشام وتهامة ويثرب
وجبال طيء والبقيع، وهي أسماء لم تأتِ بوصفها إشارات مكانية فحسب، بل حملت أبعادًا
رمزية تعكس الانتماء والهوية والحنين. وقد نجح الشاعر في تحويل المكان إلى كائن حيّ
يخاطبه ويحاوره ويستنطقه، مما أضفى على القصيدة حيوية شعورية واضحة.
أما
على المستوى الفني، فقد جاءت اللغة جزلةً ذات نفسٍ تراثي، تستلهم روح القصيدة العربية
الكلاسيكية في معجمها وصياغتها وإيقاعها. كما اعتمد الشاعر على خطاب مباشر يفيض بالعاطفة
الصادقة، فبدت القصيدة أقرب إلى مناجاة طويلة بين الشاعر وذكرياته وآماله. وتجلّى صدق
الشعور في أبيات مثل: «فلِي وطنٌ بيثربَ في خيالي» و*«سأتي ذات يومٍ؛ سوف آتي وألثم
تربه وأموت فيه»*، حيث يبلغ التعلق بالمكان ذروته ليصبح جزءًا من العقيدة الوجدانية
للشاعر.
وتقوم
القصيدة على ثنائية الاغتراب والرجاء؛ فالذات الشاعرة تعاني ألم البعد ووحشة الوحدة،
لكنها لا تستسلم لليأس، بل تتشبث بوعد اللقاء والعودة، مما يمنح النص بعدًا إنسانيًا
عميقًا يتجاوز حدود التجربة الفردية إلى تجربة كل مغترب يحمل وطنه في قلبه.
إنها
قصيدة تنتمي إلى شعر الحنين والوفاء، وتمتاز بصدق العاطفة وجمال الاستدعاء المكاني
وقوة الانتماء الروحي، فجاءت أشبه بترنيمة عشق للوطن والذاكرة والمقدسات، تُعبّر عن
روحٍ لم تستطع المسافات أن تنتزع منها يقين العودة.
إرسال تعليق