كلمة العدد...بقلم رانيه محمد سليم المهايني
الثقافة السورية بعد التحرير: ذاكرة تتجدد ووطن يكتب نفسه من جديد
حين تستعيد الأوطان حريتها، لا يكون التغيير حدثًا سياسيًا فحسب، بل فعلًا ثقافيًا عميقًا يعيد للإنسان صوته، وللكلمة معناها، وللذاكرة حقها في السرد. ومن هنا، تبدو الثقافة السورية اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة؛ لحظة تنتقل فيها من مقاومة التهميش والخراب إلى صناعة الأمل وبناء المستقبل.
لقد أثبت المثقف السوري، خلال سنوات الثورة والمحنة التي ألمّت به ، أن الثقافة ليست ترفًا، بل إحدى أدوات البقاء والدفاع عن الهوية. فبين كتابٍ كُتب في المنفى، وقصيدة وُلدت تحت وطأة الألم، ولوحةٍ حفظت ملامح المدن المهددة بالنسيان، بقيت الثقافة السورية حارسًا للذاكرة الجماعية وشاهدًا على قدرة الإنسان السوري على الإبداع رغم كل الظروف.
واليوم، بعد التحرير، تنفتح أمام المشهد الثقافي آفاق جديدة تتجاوز مجرد استعادة ما فُقد، نحو إعادة صياغة المشروع الثقافي الوطني على أسس الحرية والتعددية والانفتاح. إنها فرصة لإحياء المؤسسات الثقافية، ودعم الطاقات الشابة، واستعادة دور الأدب والفنون في ترميم الوعي الاجتماعي وتعزيز قيم الحوار والمواطنة.
إن الثقافة السورية المقبلة ليست ثقافة الماضي وحده، ولا ثقافة الألم وحده، بل ثقافة الحياة التي تستمد قوتها من تاريخ عريق وإرادة متجددة. ثقافة تؤمن بأن الكتاب يمكن أن يكون جسرًا، وأن المسرح مساحة لقاء، وأن الفن لغة قادرة على تجاوز الانقسامات وصناعة المشترك الإنساني.
في هذا العدد من مجلة القدس الثقافية، نفتح نافذة على هذه المرحلة الجديدة، ونحاور أسئلتها وتحدياتها وآمالها. نحتفي بالمبدعين السوريين الذين حملوا شعلة الثقافة في أحلك الظروف، ونتطلع معهم إلى غدٍ تكون فيه الثقافة شريكًا أساسيًا في بناء سورية الحرة المزدهرة.
فالثقافة، في نهاية المطاف، ليست ما نكتبه عن الوطن فحسب، بل ما نصنعه به ومن أجله.
إرسال تعليق