ما الذي نفعله
حين نكتب؟
أنكشف أم نتوارى؟
أنقترب من
أنفسنا أم نبتعد عنها في هيئة كلمات؟
في داخل الإنسان
معنى سابق على الحرف، نورٌ لا يُمسك، لكنه حين يهبط إلى اللغة يتكسّر في مرايا التعبير،
فيصير صورًا متعددة لما كان واحدًا في الأصل.
وهكذا لا تكون
الكتابة نقلًا للحقيقة، بل أثرًا من آثارها، وظلًّا يشير ولا يحيط.
أحقًّا نكتب
ما نؤمن به، أم نكتب ما نطيق احتماله من أنفسنا؟
أم أن الإيمان
ذاته يتبدّل حين يدخل باب التعبير، فيلبس ثوبًا غير ثوبه الأول؟
كل ما يظهر
في الكلام ليس هو الكل، بل تجلٍّ من تجليات المعنى، يظهر بقدر ما تسمح به أوعية الوعي،
ويغيب أكثر مما يُقال.
فاللغة، مهما
اتسعت، تبقى حجابًا، لا تكشف إلا بقدر ما تستر.
ولعل الكتابة
ليست فعل قول، بل فعل إشهاد؛
أن يشهد القلب
على ما يلوح له من المعنى، ثم يعجز عن الإحاطة به، فيستعيض عنه بالرمز والإشارة.
ألا ترى أن
الفكرة حين تُولد في القلب تكون صافية، ثم ما إن تُطلب في البيان حتى تضعف وتتشظّى؟
ذلك لأن المعنى
في أصله أوسع من أن يُحصر، وألطف من أن يُقبض عليه في لفظ.
الكتابة إذن
ليست امتلاكًا للحقيقة، بل اقترابًا منها مع كل مرة نفلت فيها منها.
هي سيرٌ في
أثر المعنى لا في قبضه، وذوقٌ لا يُقال بقدر ما يُحسّ.
وفي هذا السير،
لا يعود الكاتب مالكًا لما يكتب، بل يصبح شاهدًا على ما يمرّ به من تجليات، يتلقاها
ثم يتركها تمضي في هيئة كلمات.
فالكتابة في
حقيقتها ذوبانٌ في المعنى لا ادعاءٌ له، وافتقارٌ إليه لا استعلاء عليه.
ومن ظنّ أنه
يملكها، فقد فاته سرّها.
إنها نفَسٌ
من نورٍ يتخفّى في الحروف، ويعود إلى غيبِه كلما حاولنا الإمساك به.
**************************
تتشابه الأيام
وتتوالى في مسيرة الحياة الإنسانية، وكأنها تؤكد أن ما مضى بالأمس يتكرر اليوم بأشكال
مختلفة وصور متجددة.
في الأمس كان
هناك أناس أتقنوا فن العيش، ومع ذلك حملوا في نفوسهم نصيبًا وافرًا من الضجر والتذمر.
كانوا يلومون الظروف تارة، والأقدار تارة أخرى، لأنهم لم يملكوا القدرة على تغيير كثير
مما يحيط بهم. واليوم لا يبدو المشهد مختلفًا كثيرًا؛ فما زلنا نواجه الأسئلة ذاتها،
ونتعثر بالحيرة نفسها، ولم نزد على من سبقنا فهمًا كاملًا للحياة أو إدراكًا شاملًا
لأسرارها.
منذ أن وطئت
قدم آدم الأرض، بدأت رحلة الإنسان الطويلة مع الصراع والمنافسة والسعي الدائم إلى الأفضل.
ومنذ ذلك الحين وهو يرفض واقعًا، ويبحث عن بديل، ويطمح إلى تغيير ما لا يرضيه، وكأن
مهمته الكبرى كانت ولا تزال البحث عن الأمان والاستقرار والطمأنينة.
التاريخ يعيد
نفسه، وكذلك محاولات البشر لإيجاد المخارج والحلول. أما الراحة المطلقة التي حلم بها
السابقون ونرجوها نحن اليوم، فتبدو كأفق بعيد لا يُدرك، أو كفكرة ضبابية لا تستقر في
واقع الحياة. فالدنيا بطبيعتها دار ابتلاء، والسعي إلى راحة كاملة فيها يبدو أمرًا
عسير المنال.
ولعل في ذلك
حكمة إلهية بالغة؛ فكل ما نعبره من تجارب وتقلبات ما هو إلا اختبار يكشف حدود قدرتنا،
ويذكرنا بضعفنا أمام تعقيدات الوجود. فالحقب التي سبقتنا، بما حملته من مجد وسلطان
وقوة وعروش، انتهت جميعها إلى الزوال، مؤكدة أن الإنسان مهما بلغ من العظمة يبقى عاجزًا
عن الخلود والديمومة.
ونحن اليوم،
لا نقل تفكيرًا ولا تطلعًا عمن سبقنا، نتأمل الحياة ونسائلها، لكننا ما زلنا نسعى وراء
مُلك زائل، ومجد مؤقت، وحياة مصيرها الفناء. وهكذا تستمر الرحلة بين الأمل والبحث،
وبين الإدراك بأن البقاء لله وحده.
طبتم فكرًا
وتأملًا.
بقلم نجاة
بنسعيد هاشمي

إرسال تعليق