U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

قراءة في قصيدة متاهات النوى للشاعر أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي بقلم أحمد بيطار


 

قراءة في قصيدة متاهات النوى للشاعر أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي بقلم أحمد بيطار

 

مَتَاهَاتُ النَّوَى

بِقَلَمِ الشَّاعِر: أَحْمَد مُصْطَفَى الْهِلَالِي

إِذَا جَنَّ الْمَسَاءُ وَهَزَّ صَدْرِي ... حَنِينٌ لَمْ تُكَفْكِفْهُ الشُّجُونُ

وَرُحْتُ أَجُوبُ فِي وَحْدِي قِفَاراً ... وَلَا طَيْفٌ يَلُوحُ وَلَا عُيُونُ

يُعَذِّبُنِي الصَّقِيعُ وَلَيْسَ دِفْءٌ ... سِوَى رُؤيَاكِ، لَكِنْ لَا تَبِينُ

أُفَتِّشُ عَنْكِ بَيْنَ حَنَايَا قَلْبِي ... أَضَاءَ الشَّوْقُ وَالْوَجْدُ الرَّهِينُ

فَأَغْفُو فَوْقَ صَدْرِ الوَصْلِ طِفْلًا ... جَرِيحاً، مِلْؤُهُ الْآهُ السَّجِينُ

عَلَى وَرَقِي نَثَرْتُ دَمِي حُرُوفاً ... يُسَائِلُ عَنْ مَرَامِيهَا الْأَنِينُ

أَلُمُّ مِنَ قُصَاصَاتِي حَيَاتِي ... وَمِحْبَرَتِي لَهَا عِطْرٌ ثَمِينُ

يُسَافِرُ بِي مِدَادِي نَحْوَ أُفْقٍ ... نَسَجْتُ بِهِ مِنَ الْأَشْوَاقِ عُيُونُ

أَنَا المَلَّاحُ أَهْمِي فِي بِحَارِي ... وَمَوْجُ الْحِبْرِ يَحْمِلُهُ السَّفِينُ

أَعُوذُ بِصَفْحَتِي مِنْ نَارِ بُعْدٍ ... فَإِنَّ الْحَرْفَ لِلشَّاكِي مَعِينُ

أَصُوغُ الْحُلْمَ أَنْسُجُهُ وِصَالاً ... لَعَلَّ الْفَجْرَ يَأْتِي، أَوْ يَحِينُ

وَيَجْمَعُنَا شُرُوقٌ بَعْدَ لَيْلٍ ... بِنُورِ الْوَجْهِ تَبْتَهِجُ الْعُيُونُ

فَمَا كَانَ التَّبَاعُدُ غَيْرَ حُجْبٍ ... سَيَجْلُوهَا يَقِينِي.. وَتَسْتَبِينُ

فَيَا لَيْلَ النَّوَى ارْحَلْ فَإِنِّي ... بَصِيرٌ بِالْوِصَالِ، وَمَا يَلِينُ

أحمـــــد مصطفى الهـــلالـــي

 

 

 

**"متاهات النوى"**حيث يتحول البعد عن الحبيب إلى حالة وجودية تتشابك فيها العاطفة مع التأمل، ويصبح الشعر وسيلةً لمقاومة الغياب وإعادة تشكيل الأمل. وقد استطاع الشاعر أحمد مصطفى الهلالي أن ينسج نصًا تتداخل فيه حرارة الشعور مع متانة البناء اللغوي، فخرجت القصيدة محافظة على أصالتها العربية، ومفتوحة في الوقت ذاته على أفق رمزي رحب.

*إذا جنَّ المساءُ وهزَّ صدري

حنينٌ لم تكفكفه الشجونُ*

يتخذ الليل وظيفةً تتجاوز الزمن، ليصبح فضاءً تستيقظ فيه الذاكرة، ويشتد فيه الوجع. فالحنين هنا ليس شعورًا عابرًا، بل قوة داخلية تفرض حضورها، حتى تبدو الشجون عاجزة عن احتوائه أو تهدئته، وهو استهلال يضع المتلقي مباشرة في قلب التجربة الشعورية.

وتقوم القصيدة على ثنائية بارزة هي **الحضور والغياب**؛ فالحبيبة غائبة في الواقع، لكنها حاضرة في الوجدان، حتى تصبح الرؤيا مصدر الدفء الوحيد في مواجهة "الصقيع". وهذه الثنائية تمنح النص توترًا عاطفيًا مستمرًا، فلا يكتفي الشاعر بوصف الألم، بل يجعل من الغياب قوة مولدة للصور الشعرية.

ومن أبرز ملامح القصيدة كثافة الصورة الفنية واتساع فضائها الرمزي. فالصور لا تعتمد على الوصف المباشر، وإنما تتشكل من استعارات متلاحقة تمنح النص حياةً داخلية نابضة. ففي قوله:

*على ورقي نثرت دمي حروفًا

يسائل عن مراميها الأنينُ*

يتحول الدم إلى حروف، وتغدو الكتابة فعلًا وجوديًا، يختلط فيه الإبداع بالألم، وكأن القصيدة تُكتب من نبض القلب لا من مداد القلم. إنها صورة تجمع بين المبالغة الفنية وصدق الإحساس، فتمنح التجربة عمقها الإنساني.

كما يبرز حضور البحر والسفينة والملاح في قوله:

*أنا الملاح أهيم في بحاري

وموج الحبر يحمله السفينُ*

وهي استعارة ممتدة تجعل الكتابة رحلةً في بحر الذات، ويغدو الحبر بحرًا، والقصيدة سفينة، والشاعر ملاحًا يسافر بين أمواج الشوق. وهذا التوظيف يضفي على النص بعدًا رمزيًا يربط بين الإبداع والبحث الدائم عن المرفأ الآمن.

ولعل أجمل ما في القصيدة أنها لا تستسلم لليأس، بل تنفتح تدريجيًا على أفق الرجاء. فبعد أن يشتد الإحساس بالغربة، يبدأ الضوء بالتسلل إلى النص عبر مفردات مثل: **الفجر، الشروق، اليقين، الوصال**. وهنا تتحول القصيدة من مرثية للغياب إلى نشيد للإيمان بأن الفراق ليس نهاية، وإنما مرحلة عابرة تسبق اللقاء.

ويحسب للشاعر أيضًا حسن إدارة الإيقاع النفسي للقصيدة؛ إذ يبدأ بانفعال مرتفع، ثم ينساب نحو التأمل، قبل أن يبلغ خاتمة مشبعة بالثقة واليقين:

*فيا ليل النوى ارحل فإني

بصيرٌ بالوصال، وما يلينُ.*

إنها خاتمة تحمل نبرة انتصار داخلي، لا على الواقع، بل على اليأس نفسه، وهو ما يمنح النص بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود التجربة الشخصية.

تقدم قصيدة **"متاهات النوى"** تجربة شعرية ناضجة، تتكئ على صدق الوجدان، وجمال الصورة، ورصانة اللغة، وتوازن البناء الفني. وقد نجح الشاعر **أحمد مصطفى الهلالي** في أن يجعل من الحنين قوةً خلاقة، ومن الكتابة ملاذًا روحيًا، ومن الأمل خاتمةً تتغلب على قسوة الفراق. إنها قصيدة تنتمي إلى الشعر العربي الأصيل في موسيقاه وصياغته، وإلى الشعر الإنساني في رؤيته، حيث يلتقي الوجع بالجمال، ويولد من رحم الغياب وعدٌ دائم بالوصال.

 

 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة