U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

الحرية بين الشعار والممارسة... ولماذا لا يتحول المفكر العربي إلى مدرسة؟ بقلم أحمد علي البيطار

 الحرية بين الشعار والممارسة... ولماذا لا يتحول المفكر العربي إلى مدرسة؟

تُعد الحرية واحدة من أكثر المفاهيم حضوراً في الخطاب العربي المعاصر، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها التباساً. فكثيراً ما تُرفع رايات الحرية في الساحات والمنابر، غير أن السؤال الذي يظل معلقاً هو: هل نحن أحرار حقاً؟ وهل الحرية استحقاق يُمنح للإنسان بحكم كرامته، أم أنها ممارسة يومية تحتاج إلى وعي ومسؤولية وقدرة على قبول الآخر؟
إن الحرية الحقيقية ليست مجرد شعار سياسي أو مطلب اجتماعي، بل هي حالة من النضج الفكري والأخلاقي تجعل الإنسان قادراً على احترام حق الآخرين في الاختلاف كما يطالب بحقه في التعبير. ومن هنا يمكن القول إن الحرية هي "ضمانة نفسها"، لأنها لا تستقيم إلا عندما تصبح جزءاً من الوعي الجمعي، لا مجرد مطلب ظرفي يُرفع في مواجهة الخصوم ثم يُنسى عند امتلاك القوة.
ولعل من أخطر ما يواجه المجتمعات هو ذلك "الاستبداد المرجأ" الكامن في النفوس. فكم من أفراد وجماعات نادوا بالحرية حين كانوا في موقع الضعف، ثم ما لبثوا أن مارسوا الإقصاء والتسلط عندما امتلكوا أدوات السلطة. وهذا يكشف أن المشكلة ليست دائماً في الأنظمة السياسية وحدها، بل في البنية الذهنية والثقافية التي لم تتحرر بعد من ميراث طويل من الوصاية والخوف ورفض التعددية.
ومن هذا المدخل يمكن الانتقال إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا لا يتحول المفكر العربي إلى مدرسة فكرية تستمر بعد رحيله؟ لماذا تنطفئ الأفكار غالباً بموت أصحابها، بينما تتحول في أمم أخرى إلى مؤسسات وتيارات وأجيال متعاقبة؟
ربما يكمن جزء من الجواب في هيمنة النزعة الفردية أو "الذرية" على المجال الثقافي العربي، حيث يُنظر إلى المفكر بوصفه حالة استثنائية منفصلة عن محيطها، لا جزءاً من مشروع معرفي قابل للتطوير والتوريث. كما أن غياب المؤسسات البحثية المستقلة، وضعف الثقافة التنظيمية، وافتقار المجتمعات إلى الحواضن الفكرية، كلها عوامل تجعل الأفكار أسيرة أصحابها بدلاً من أن تتحول إلى مشاريع جماعية مستدامة.
إن الفكر لا يعيش بطول عمر صاحبه، بل بقدرته على إنتاج تلاميذ وشركاء ومؤسسات تحمل رسالته وتطوّرها. ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الثقافة العربية لا يكمن في إنتاج المفكرين فقط، بل في بناء البيئة التي تسمح بتحويل الأفكار إلى مدارس، والمدارس إلى مشاريع حضارية قادرة على التأثير في الواقع.
فالحرية والفكر وجهان لقضية واحدة؛ إذ لا يمكن لفكر أن يزدهر في بيئة تخشى الاختلاف، ولا يمكن لحرية أن تترسخ في مجتمع لا يملك مؤسسات تحفظها وتدافع عنها. وعندما يتحرر العقل من نزعة الاستبداد الكامنة فيه، وتتحول الأفكار إلى عمل مؤسسي متراكم، يصبح الحديث عن الحرية حديثاً عن واقع معاش لا عن شعار جميل يُرفع في المناسبات.
إن معركة الأمة الحقيقية ليست فقط ضد الاستبداد الظاهر، بل أيضاً ضد الاستبداد المختبئ في أعماق الوعي. وهناك يبدأ الطريق نحو الحرية الحقة، وهناك أيضاً يولد الفكر القادر على البقاء بعد رحيل أصحابه.
أحمد بيطار


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة