U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

قراءة في شروق فوق الأنقاض قصة قصيرة للكاتبة فاطمة الجلاوي بقلم أحمد بيطار

 

شروق فوق الأنقاض

قصة قصيرة :

في أمزميز، حيث تتكئ الجبال على صمتها القديم، كانت هجر تستيقظ على ليلٍ باردٍ لا ينتهي داخلها.

لم تكن العتمة في الخارج بقدر ما كانت في ذلك الشيء الغامض الذي يثقل صدرها دون اسمٍ يُذكر.

تلتحف بغطاءٍ صوفيٍ أنهكه البقاء، والغرفة الضيقة بسعتها الروحية لا تتسع سوى لصوت أنفاسها، كأنها تُصغي إلى نفسها الشقية من بعيد.

حولها كانت الكلاب تحرس الصمت: ميكوس، صطروفولينو، إيتو، مالي، كاشو، شان، ضوغة، تشيتشو، لوبو، فان.

لم تكن مجرد أسماء، بل نظامًا خفيًا للطمأنينة.

في الخارج، لم تكن الطبيعة أقل يقظة.

كأن الكائنات جميعها تُصغي لشيءٍ لا يُرى بعد.

إوزّ، دجاج، ماعز، بقر، سلاحف، قنافذ… وحتى فيليبو، ذلك الحمار الذي يبدو كأنه يختزن دهشة العالم في عينيه، كان ساكنًا على نحوٍ غير مألوف.

جلست هجر، لا لتتحدث، بل لتُفرغ ما لم يعد قابلًا للحمل:

عن غيابٍ لم يُعلن نفسه رحيلًا،

وعن وعدٍ ظل عالقًا بين الاحتمال والخسارة.

كانت الكلمات تخرج منها كأنها لا تخصها.

والكلاب تنظر، كأنها تفهم ما لا يُقال أصلًا.

ثم حدث ما لا يسبق نفسه.

لم يكن انفجارًا فقط… بل انقطاعًا في نسيج الليل.

تلاشى الصمت دفعةً واحدة، كما لو أنه لم يكن موجودًا.

ثم اشتعلت الأرض.

لم تُشاهد النار أولًا، بل شُعرت بها كاهتزازٍ في الهواء، كارتباكٍ في الوجود.

«يا لطيف…»

خرجت الكلمة بلا اكتمال، ثم ابتلعتها المسافة.

وقفت هجر.

لكن الوقوف هنا لم يكن فعلًا جسديًا، بل لحظة مواجهة.

أمام النار، لم تكن تفكر في الضيعة، ولا في الخسارة، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل الأشياء عن زوالها.

ركضت بعزمٍ شديد نحو براميل الماء التي أعدتها سابقًا لسقي الأشجار، فتحولت إلى مقاومةٍ عبثية، لكنها وحيدة.

كانت تصبّ الماء كما لو أنها تحاول إقناع النار بالتراجع عن فكرة.

النار لم تكن تحترق فقط،

كانت تمحو المعالم.

وحين خفتت ألسنة اللهب، لم تكن النهاية انتصارًا.

كانت إنهاكًا.

سقطت هجر، لا على الأرض، بل داخلها.

لكن شيئًا ما لم يسمح لها بالانطفاء تمامًا.

الكلاب كانت هناك.

لا وفاءً بمعناه البسيط، بل كأنها تُعيد ترتيب العالم حول جسدٍ فقد توازنه.

قادتها عبر الركام إلى الغرفة التي بقيت واقفةً بالصدفة.

الصمت هذه المرة لم يكن قاسيًا.

كان نقيًا بشكلٍ يربك الذاكرة.

مع أول خيطٍ للفجر، لم يكن الرماد نهاية المشهد، بل مادته الجديدة.

رفعت هجر رأسها.

لم تعد تسأل.

النظر وحده كان كافيًا.

كأن العالم، بعد أن احترق، تخلّى عن زيفه.

وفوق الأنقاض، بزغ شروقٌ لا بدّ منه…

شروقٌ يحمل معنى العشق الصادق، ذاك الذي تفهمه الحيوانات بلغة العيون.

: فاطمة الجلاوي

 

في قصة «شروق فوق الأنقاض» للكاتبة فاطمة الجلاوي تتجلى قدرة السرد على تحويل الحدث الواقعي إلى تجربة إنسانية ورمزية عميقة، حيث لا تروي الكاتبة حكاية حريق فحسب، بل ترصد لحظة انكسارٍ وجودي يعقبها ميلاد جديد للروح. ومنذ الاستهلال، تنجح في بناء فضاء سردي مشبع بالصمت والوحشة، فتبدو الشخصية الرئيسة «هجر» أسيرة عتمة داخلية تتجاوز حدود المكان، لتصبح صورةً للإنسان في مواجهته لأثقال الفقد والانتظار والأسئلة المؤجلة.

ويُحسب للنص توظيفه الذكي للعناصر الطبيعية والحيوانية بوصفها مكونات دلالية فاعلة وليست مجرد خلفية للأحداث. فالكلاب والحيوانات المحيطة بهجر تشكل منظومة رمزية للحماية والوفاء والتوازن، حتى لتبدو أكثر قدرة على فهم الألم الإنساني من اللغة نفسها. وهنا تبرز إحدى أهم ثيمات القصة، وهي التواصل العميق بين الإنسان والكائنات الأخرى في لحظات الانكسار الكبرى.

أما الحريق، فلا يظهر باعتباره كارثة مادية فقط، بل يتحول إلى رمز للتطهير والتحول. فالنار في النص تمحو المعالم القديمة، لكنها في الوقت ذاته تفتح المجال أمام ولادة رؤية جديدة للعالم. وقد عبّرت الكاتبة عن ذلك بلغة شعرية مكثفة جعلت من الحدث مشهدًا وجوديًا يتجاوز زمنه ومكانه، خصوصًا في العبارات التي تصف النار بوصفها «ارتباكًا في الوجود» لا مجرد اشتعال مادي.

فنيًا، يقترب النص من السرد الشعري الذي يعتمد الإيحاء أكثر من السرد التقليدي، حيث تتعانق الصورة الأدبية مع التأمل الفلسفي. كما أن شخصية هجر لا تُقدَّم كشخصية فردية فقط، بل كرمز للإنسان الذي يقف وحيدًا أمام الخراب، محاولًا الدفاع عن معنى الحياة ولو بأدوات بسيطة تبدو عبثية أمام حجم الكارثة.

وتبلغ القصة ذروتها الدلالية في مشهد الفجر، إذ يتحول الرماد من علامة نهاية إلى مادة بداية جديدة. وهنا تنتصر الكاتبة لفكرة الأمل بوصفه فعلًا وجوديًا لا ينطفئ، وتؤكد أن الشروق الحقيقي لا يولد إلا بعد اجتياز ليلٍ طويل من الاحتراق والمعاناة.

إنها قصة ثرية بالمفاهيم الإنسانية والجمالية؛ تتناول الصمود، والتحول، والعلاقة بين الإنسان والطبيعة، وقدرة الروح على النهوض من تحت الركام. كما تطرح رؤية عميقة مفادها أن الخراب ليس دائمًا خاتمة الأشياء، بل قد يكون اللحظة التي يبدأ فيها المعنى الحقيقي للحياة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة