U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

قراءة نقدية لنص "إن غبنا“ للشاعرة رجاء نور الدين الناقد أحمد علي البيطار


 

قراءة نقدية لنص "إن غبنا“ للشاعرة رجاء نور الدين الناقد أحمد علي البيطار

 

 

قراءة نقدية لنص "إن غبنا“للشاعرة رجاء نور الدين الناقد أحمد علي البيطار

 

إنْ غِبْنا

فلا تَقْلَقي يا أُمَّنا عَلَيْنا،

ولا تَحْسَبي المَسافاتِ الَّتي

قَطَعَتْنا وَنَحْنُ لُهاةٌ.

وَحينَ يَطْرُقُ الفِراقُ قُلوبَنا

صَلِّي عَلَيْنا صَلاةَ العَوْدَة،

واخْتاري لَنا

مِنْ رُوحِكِ بَيْتًا.

وعِنْدَما تَلْمَحينَ الدَّمْعَ

في أَعْيُنِنا

أَنْبِتي لَنا مِنْ مائِكِ حُبًّا،

ومَشِّطي ضَفائِرَنا بِضِفافِ يَدَيْكِ.

لا تَخافي يا أُمَّنا،

فَتُفّاحَةُ البَدْءِ تَنْضُجُ في قُلوبِنا

مِنْ بَعْدِ سَبْعٍ عِجافٍ

فَقَدْنا فيها كَرَزَ الشِّفاهِ.

وَإنْ خِفْتِ

مِنَ البِداياتِ،

لا تَخْشَي عَلى حُمْرَةِ الوَرْدِ

في وَجْنَتَيْنا،

فَيَوْمَ اتَّكَأْنا عَلى أَشْواكِها

صارَ الكَوْنُ سُكونًا.

وصَبابةٌ عَتَّقَتْ في الرِّيقِ،

واعْتَلَتْ صَهْوَةَ الشِّفاهِ

كَعُنْقودٍ تَدَلّى شَغَفًا،

وما وَجَدَ السَّبيلا.

وشَعْرٌ قُدَّ مِنْ عَتْمَةِ اللَّيْلِ

فارِسًا كانَ،

فاعْتَلى ظَهْرَ القَصيدَةِ

سارِحًا يَنْسُجُ دَمْعَةً

ما مَسَّها ضُرٌّ،

وخَلْفَها ضَحْكَةٌ تَعْدو يَتيمَةً،

تَلْهَثُ مِنْ عَتْمَةِ المَعْنى،

وعِطْرٌ يَلْهُو في الأَفْئِدَةِ.

يا أُمَّنا،

كَلِمَتُهُ تَنَسَّمَ وَرْدُهُ،

ولكِنَّهُ

لَمْ يَحْكِ ما جَرى.

جَرَّبَتْهُ دِفْءُ الغِوايَةِ طارِحًا،

لَمْ يَكُنْ… يااااا أُمَّنا

إِلّا صَقيعًا

أَجْرَدَ.

       رجاء نور الدين

---------

يأتي هذا النص للشاعرة رجاء نور الدين بوصفه نشيداً إنسانياً مفعماً بالحنين والرمزية، حيث تتجاوز صورة الأم معناها المباشر لتغدو رمزاً أكبر: الوطن، والذاكرة الأولى، والملاذ الروحي الذي يعود إليه الإنسان كلما  أرهقته المنافي والمسافات.

"إنْ غِبْنا

فلا تَقْلَقي يا أُمَّنا عَلَيْنا"

لا يخاطب النص أماً فردية فحسب، بل يخاطب ذلك الحضن الوجودي الذي يمنح الإنسان هويته. فالغياب هنا ليس غياباً جسدياً فقط، وإنما غيابٌ فرضته الحياة، والاغتراب، وخيبات الزمن. لذلك تأتي الطمأنة للأم محاولةً لتخفيف وجع الفراق أكثر مما هي وصفٌ لحال الغائبين أنفسهم.

ويزداد البعد الرمزي عمقاً حين تقول:

"صَلِّي عَلَيْنا صَلاةَ العَوْدَة،

واخْتاري لَنا

مِنْ رُوحِكِ بَيْتًا."

فالعودة هنا ليست عودة إلى مكان، بل إلى الأصل الروحي. والبيت ليس جدراناً وسقفاً، وإنما مأوى من روح الأم نفسها، وكأن الشاعرة تؤكد أن الإنسان لا يسكن الأرض بقدر ما يسكن المحبة التي تمنحه الأمان.

ويتميز النص بكثافة الصور الطبيعية والثمارية؛ التفاح، والكرز، والورد، والعناقيد، وهي ليست زينة لغوية بل رموز للحياة والنضج والرغبة والجمال المفقود. ففي قولها:

"فَتُفّاحَةُ البَدْءِ تَنْضُجُ في قُلوبِنا

مِنْ بَعْدِ سَبْعٍ عِجافٍ"

تحيل الشاعرة إلى دورة الألم والخصب معاً؛ فسنوات القحط الروحي لم تقتل إمكانية الولادة الجديدة، بل جعلت الثمرة أكثر نضجاً. وهنا يبرز حضور الأمل بوصفه نقيضاً للانكسار.

أما المقطع:

"فَيَوْمَ اتَّكَأْنا عَلى أَشْواكِها

صارَ الكَوْنُ سُكونًا"

فهو من أجمل مفاصل النص؛ إذ يتحول الألم من قوة جارحة إلى حالة تأمل ووعي. فالإنسان لا يبلغ السكينة رغم الأشواك، بل بسببها. وكأن الشاعرة ترى أن النضج الإنساني لا يولد من الراحة بل من المعاناة التي تعيد تشكيل الروح.

وفي القسم اللاحق ينتقل النص من خطاب الأم إلى التأمل في الذات الشعرية نفسها. فالشعر هنا ليس أداة تعبير فحسب، بل كائن حي:

"وشَعْرٌ قُدَّ مِنْ عَتْمَةِ اللَّيْلِ

فارِسًا كانَ،

فاعْتَلى ظَهْرَ القَصيدَةِ"

إنها صورة مدهشة تجعل الشعر فارساً خرج من ظلمة التجربة الإنسانية ليحمل صاحبه عبر القصيدة. ومن اللافت أن الدمع والضحكة يتجاوران في هذا المشهد، في إشارة إلى أن التجربة الإنسانية الحقيقية لا تنتمي للحزن الخالص ولا للفرح الخالص، وإنما تنشأ من امتزاجهما.

ويبلغ النص ذروته الوجدانية في الخاتمة:

"كَلِمَتُهُ تَنَسَّمَ وَرْدُهُ،

ولَكِنَّهُ

لَمْ يَحْكِ ما جَرى."

فهنا يظهر عجز اللغة أمام عمق التجربة. فالكلمات استطاعت أن تحمل العطر، لكنها لم تستطع أن تنقل الجرح كاملاً. وهذه من أكثر الأفكار شاعرية في النص: أن ما يُقال أقل دائماً مما يُعاش.

ثم تأتي النهاية الصادمة:

"لَمْ يَكُنْ... يا أُمَّنا

إِلّا صَقيعًا

أَجْرَدَ."

بعد كل هذا الامتلاء بالورد والعناقيد والعطر، ينتهي المشهد إلى صقيعٍ مجرد، وكأن الشاعرة تكشف الحقيقة الكامنة خلف مظاهر الجمال؛ فالتجربة التي بدت دافئة كانت في جوهرها برداً ووحدة وخيبة. ولهذا تكتسب الخاتمة قوتها الفنية، لأنها تقلب أفق التوقع وتعيد قراءة النص كله من زاوية جديدة.

يمكن القول إن رجاء نور الدين كتبت نصاً يقوم على ثنائية متقابلة: الأم والمنفى، الورد والشوك، الدمع والضحكة، الدفء والصقيع، البداية والفقد. ومن خلال هذه الثنائيات استطاعت أن ترسم رحلة الإنسان بين الانكسار والرجاء، وأن تجعل من الأم رمزاً للخلاص الروحي الذي يظل حاضراً مهما ابتعدت الطرق.

إنه نص يراهن على الصورة والإيحاء أكثر من السرد المباشر، ويستمد جماله من لغته الشفافة وقدرته على تحويل التفاصيل الحسية إلى معانٍ وجودية عميقة، لذلك يظل أثره في النفس ممتداً بعد انتهاء القراءة، كصوتٍ خافتٍ ينادي من بعيد: مهما طال الغياب، يبقى في

روح الأم بيتٌ ينتظر العائدين.




تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة