U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

قراءة في قصيدة «فلا يُنقص النقد الجهول قصيدةً» للشاعر حسين صالح ملحم الناقد أحمد علي البيطار

 قراءة في قصيدة «فلا يُنقص النقد الجهول قصيدةً» للشاعر حسين صالح ملحم الناقد أحمد علي البيطار

فَلَا يُنْقِصُ النَّقْدُ الْجَهُولُ قَصِيدَةً

وَلَا يَرْفَعُ الْحَرْفَ الْبَسِيطَ مَدِيحُ

 

​فَمَا ضَرَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ أَعْمَى يُعِيبُهَا 

وَلَا أَفْسَدَ الْعِطْرَ الثَّمِينَ نضوحُ

 

​إِذَا كَانَ عُمْقُ الْبَحْرِ يَحْوِي لَآلِئَاً

فَمَا هَمَّهُ مَوْجٌ يَطِيشُ شَحِيحُ

 

​سَيَبْقَى صَدَى الصِّدْقِ النَّقِيِّ مُسَافِرَاً 

وَيَفْنَى كَلَامُ الْحَاقِدِينَ وَرِيحُ

 

وما كُلُّ مَن نطقَ القريضَ بمبدعٍ

ولا كُلُّ  وَجْهٍ فِي الظَّلَامِ مليحُ

 

​إِذَا صَمَتَ الْعَقْلُ الرَّزِينُ تَرَفُّعَاً 

فهل يوزن النّطقَ المُسيءَ قبيحُ

 

​فَدَعْهُمْ وَمَا قَالُوا وَحَسْبُكَ أَنَّهُمْ

سُدَىً، وَبَيَانُ الصَّادِقِينَ صَرِيحُ

​حسين صالح ملحم

 

 

قراءة في قصيدة «فلا يُنقص النقد الجهول قصيدةً» للشاعر حسين صالح ملحم الناقد أحمد علي البيطار

 

تنهض هذه القصيدة على رؤية أخلاقية وجمالية في آنٍ واحد، إذ يتخذ الشاعر من العلاقة بين الإبداع وأحكام المتلقين محورًا لبناء نصه، فيقدم موقفًا شعريًا يؤكد أن القيمة الحقيقية للعمل الفني كامنة في جوهره، لا في مقدار ما يناله من مديح أو ما يتعرض له من تجريح.

 البيت الأول يضع الشاعر القارئ أمام الفكرة المركزية التي ستنتظم القصيدة كلها:

فَلَا يُنْقِصُ النَّقْدُ الْجَهُولُ قَصِيدَةً

وَلَا يَرْفَعُ الْحَرْفَ الْبَسِيطَ مَدِيحُ

 

إن الشاعر لا يناقش هنا النقد بوصفه فعلًا معرفيًا مشروعًا، بل يخص «النقد الجهول»، أي ذلك الحكم الذي يصدر عن قصور في الفهم أو ضيق في الرؤية. ومن ثم فإن المفارقة التي يبني عليها خطابه تتمثل في أن الجهل لا يملك سلطة الإنقاص، كما أن المديح المجرد لا يملك سلطة الرفع. فالقيمة الحقيقية تظل مستقلة عن الأحكام الطارئة.

 

ولكي يرسخ هذا المعنى، ينتقل من التجريد إلى التصوير، مستعينًا بسلسلة من الصور الرمزية التي تمنح الفكرة بعدًا حسيًا وحجاجيًا في الوقت نفسه:

فَمَا ضَرَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ أَعْمَى يُعِيبُهَا

وَلَا أَفْسَدَ الْعِطْرَ الثَّمِينَ نَضُوحُ

هنا تتحول الحقيقة الفنية إلى شمس، ويتحول الجاهل إلى أعمى. واللافت أن الشاعر لا يدافع عن الشمس، بل يجعلها أكبر من أن تحتاج إلى دفاع. فالمشكلة ليست في الضوء، وإنما في العين العاجزة عن إدراكه. وهكذا تتجاوز الصورة حدود الشعر لتغدو تأملًا في طبيعة الحقيقة ذاتها؛ فالقيمة الأصيلة لا تتضرر بإنكار من يعجز عن رؤيتها.

 

ويبلغ البناء الرمزي درجة أعمق في قوله:

إِذَا كَانَ عُمْقُ الْبَحْرِ يَحْوِي لَآلِئًا

فَمَا هَمَّهُ مَوْجٌ يَطِيشُ شَحِيحُ

فالعمق هنا ليس عمق البحر وحده، بل عمق التجربة والإبداع والمعرفة. أما الموج الطائش فهو رمز للأصوات العابرة التي تثير ضجيجًا لحظيًا دون أن تمتلك أثرًا حقيقيًا. ومن خلال هذا التقابل بين العمق والسطح، يؤكد الشاعر أن القيمة الراسخة لا تقاس بما يعلو فوقها من اضطراب مؤقت.

 

وتأتي الذروة الفكرية للقصيدة في البيت الذي يقول فيه:

 

سَيَبْقَى صَدَى الصِّدْقِ النَّقِيِّ مُسَافِرًا

 وَيَفْنَى كَلَامُ الْحَاقِدِينَ وَرِيحُ

 

إذ ينتقل الخطاب من الحديث عن الإبداع إلى الحديث عن الزمن. فالحكم النهائي ليس للناقد ولا للمادح، وإنما للزمن نفسه. وما يكتبه الصدق يبقى لأنه متصل بجوهر الإنسان، أما ما تصنعه الأحقاد فمصيره الذبول والتلاشي. وهنا تكتسب القصيدة بعدًا إنسانيًا يتجاوز مناسبتها المباشرة لتصبح تأملًا في البقاء والفناء.

 

كما يلفت النظر قول الشاعر:

وَمَا كُلُّ مَنْ نَطَقَ الْقَرِيضَ بِمُبْدِعٍ

وَلَا كُلُّ وَجْهٍ فِي الظَّلَامِ مَلِيحُ

فهو بيت يؤسس لمعيار التمييز بين امتلاك أدوات القول وامتلاك جوهر الإبداع. فكما أن الرؤية الناقصة قد توهم بالجمال، فإن كثرة النظم لا تعني بالضرورة تحقق الشعر.

 

ويختتم الشاعر نصه بحكمة تتسم بقدر كبير من النضج النفسي:

 

إِذَا صَمَتَ الْعَقْلُ الرَّزِينُ تَرَفُّعًا

فَهَلْ يُوزَنُ النُّطْقُ الْمُسِيءُ قَبِيحُ

 

فَدَعْهُمْ وَمَا قَالُوا وَحَسْبُكَ أَنَّهُمْ

سُدًى وَبَيَانُ الصَّادِقِينَ صَرِيحُ

 

فالسكوت هنا ليس عجزًا، بل اختيار أخلاقي. وهو تعبير عن ثقة صاحب الحق بقيمة ما يحمل، حتى يصبح الرد على الإساءة نوعًا من منحها ما لا تستحقه من أهمية.

 

إن جمال هذه القصيدة لا يكمن في تعقيدها الفني أو غموضها الرمزي ، بل في صفائها ووضوح رسالتها وقدرتها على تحويل الحكمة إلى صور شعرية قريبة من الوجدان. وهي قصيدة تنتمي إلى تقاليد الشعر الحكمي العربي، حيث تتآزر الفكرة والصورة واللغة لتقديم رؤية تؤمن بأن الإبداع الأصيل يظل محتفظًا بقيمته، وأن الزمن وحده كفيل بفرز الصدَق من الزيف، والجوهر من الضجيج.

 

أحمد بيطار




تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة