U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

قراءة في خاطرة توه هل تعلم يا أبتي للأديبة مانيا الدرميني بقلم أحمد بيطار


 

قراءة في خاطرة توه هل تعلم يا أبتي للأديبة مانيا الدرميني بقلم أحمد بيطار

خاطرة توه:

هل تعلم يا أبتي

اني قد ضيّعتٌ دفاتر أفكاري

ونسيتُ العزفَ على قيثارةِ تربيتي

هل يعقلُ  أنّي حقاً مخطئةٌ؟

أم نرمي كل  الذنب على الأقدارِ؟

أقدارٌ قاسيةٌ ترمينا في غيرِ جوارِ

لا تشبِهُنا يا أبتي

أتساءلُ دوماً

هل عاثَ فسادُ الغيرِ بنا؟

أم عزفَ اللحنُ نشاذَ الأوتار؟

ما عدنا نعرفُ هل ذاك اللوزُ

يغارُ بحقٍ من تلكَ الأشجار؟

ام أن النهر يعاند مجراه؟

فيتوه العَودُإلى الدَّار

أم أن العمرَ مجردَ خِةبْرة

في هجرِ الأخرِ للجارِ

والخيرُ يموتُ تباعاً

والريحُ تَحُولُ لإعصارِ.

يا قلبُ تحلَّى بالصَّبر

ولتفهم معنى العبرة

فهناك اللهُ .. وليُ للأقدار

لن ينسَ عبداً قد يندهُ

في عصفِ ظروفٍ إمطارِ.

آه أبتي

يا من دعمت بنا

أنْ نعطيَ للمسلم

سبعينَ من الأعذارِ.

قد قلتَ لنا

من يكسرُ خاطرَ أحدِهم

لنْ ينجوَ ممن يدعى

الله جلالتهُ  بالقَهارِ.

أقسم يا أبتي أشتاقك

كالسّيلِ شديدُ الإسدارِ.

يا من علَّمتَ أحبتك عفافاً

طيبُ الأفعالِ باصرارِ

كم قلتُ لنا لن ينجُ

من يقطعُ وداً

كالشعلةِ تتغزلُِ بالنارِ.

..مانيا الدرميني..

تأتي هذه الخاطرة بوصفها نصًا وجدانيًا يفيض بالحنين، ويستند إلى خطابٍ مباشر للأب الراحل أو الغائب، إلا أن هذا الخطاب لا يقتصر على حدود الرثاء، بل يتجاوزها إلى مساءلة الذات، ومحاكمة الواقع، والتأمل في الإنسان والقدر والقيم التي أخذت تتآكل تحت وطأة التحولات القاسية.

تنجح الكاتبة في استدراج القارئ إلى عالمها الداخلي عبر اعتراف شفيف:

*"أنني قد أضعتُ دفاتر أفكاري، ونسيتُ العزف على قيثارة تربيتي."*

وهنا لا يصبح ضياع الدفاتر حدثًا عابرًا، بل رمزًا لفقدان اليقين، فيما تغدو "قيثارة التربية" استعارةً رقيقة لانطفاء الانسجام بين الإنسان وما نشأ عليه من مبادئ وقيم.

يعتمد النص على تقنية **الاستفهام الوجودي**، إذ تتوالى الأسئلة دون انتظار إجابة:

*"هل يعقل أنني حقًا مخطئة؟ أم نرمي كل الذنب على الأقدار؟"*

وهذا التتابع لا يعكس الحيرة فحسب، بل يعبّر عن وعيٍ مأزوم يحاول تفسير اختلال العالم دون أن يسقط في اليأس الكامل. فالأسئلة هنا ليست ضعفًا، وإنما وسيلة فنية لاستنطاق الواقع وكشف تناقضاته.

وتبرز في الخاطرة لغة رمزية موحية، تتجسد في صور شعرية تنتمي إلى الطبيعة، مثل: اللوز، والنهر، والدار، والريح، والإعصار. هذه المفردات لا تؤدي وظيفة وصفية، وإنما تتحول إلى رموز لحالة الإنسان النفسية والاجتماعية؛ فالنهر الذي يعاند مجراه يرمز إلى انقلاب الفطرة، والعود التائه عن الدار يختزل اغتراب الإنسان عن جذوره، بينما يعكس الإعصار صورة عالم فقد توازنه الأخلاقي.

وتُحسب للكاتبة قدرتها على الانتقال من الخاص إلى العام دون افتعال؛ فهي تبدأ من ذاتٍ مكسورة تفتقد الأب، ثم تنفتح تدريجيًا على قضايا المجتمع، وتراجع منظومة العلاقات الإنسانية، حتى تصل إلى أزمة القيم، حيث يصبح هجر الجار لأخيه، وموت الخير، وانكسار المودة، ملامح لعصر مضطرب.

أما حضور الأب في النص، فلا يقتصر على كونه شخصيةً عاطفية، بل يتجلى بوصفه **رمزًا للحكمة والتربية الأصيلة**. فهو المعلم الذي أورث أبناءه قيم التسامح، وغرس فيهم فضيلة حسن الظن، واستلهم الهدي النبوي في منح الناس الأعذار. لذلك يبدو غيابه غيابًا لمنظومة أخلاقية كاملة، لا مجرد غياب شخص عزيز.

ويبلغ النص ذروته الشعورية حين تعود الكاتبة إلى مخاطبة أبيها بلهجة يغلب عليها الشوق والامتنان، فتتداخل مشاعر الفقد مع الاعتزاز بما تركه من إرث أخلاقي. وهنا تتحول الخاطرة من البوح الفردي إلى رسالة إنسانية تؤكد أن القيم النبيلة هي الأثر الأبقى للإنسان بعد رحيله.

أسلوبيًا، تمتاز الخاطرة بلغة بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالاتها، بعيدة عن التكلف، وقريبة من وجدان المتلقي. كما اعتمدت الكاتبة على التكرار الهادئ، والاستفهام، والنداء، والمقابلة بين الخير والشر، والصبر واليأس، وهي أدوات منحت النص إيقاعًا داخليًا متماسكًا، رغم أنه لا يلتزم بوزن شعري تقليدي، مما يجعله أقرب إلى **قصيدة النثر ذات النفس التأملي**.

وربما كان من أبرز مواطن القوة في النص صدقه العاطفي؛ إذ يشعر القارئ أن الكلمات خرجت من تجربة معاشة، لا من صناعة لغوية مجردة. وهذا الصدق هو الذي يمنح الخاطرة تأثيرها الإنساني، ويجعلها قادرة على ملامسة ذاكرة كل من فقد أبًا أو افتقد سندًا روحيًا في حياته.

إن "هل تعلم يا أبتي؟" ليست مجرد خاطرة في الحنين إلى الأب، بل هي نص إنساني يحمل أبعادًا وجدانية وفكرية وأخلاقية، يجمع بين التأمل في القدر، واستحضار القيم، ومساءلة الواقع، والإيمان بأن رحمة الله وعدله هما الملاذ الأخير للإنسان وسط اضطراب الحياة. وقد استطاعت الأديبة **مانيا الدرميني** أن تصوغ هذه الرؤية بلغة شفافة، وصور رمزية مؤثرة، ونبرة صادقة، فجاء نصها شاهدًا على أن الأدب الحقيقي يبدأ من صدق الشعور، ثم يرتقي ليصبح تجربة إنسانية مشتركة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة