U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

الأديبة والشاعرة السورية رشا هشام ((اعترافات ..))((" ما لم أسمعهُ من أمّي "))((" روحًا خرجتْ من الإبرة "))((أعودُ إلى بيتي))


 

أنا رشا ..

الشاعرة التي تتقنُ تزييفَ الغياب كي تمنحَ الحنينَ شرعيّةَ البقاء

 

أعودُ إلى بيتي

ولا شيء يسبقني إليه سوى العاديّ حين ينجو من التجميل

 

لا ظلّ يتدرّب على اسمي

ولا فراغٌ يتقنُ ارتداء هيئة أحد

فقط مكانٌ صامتٌ يصرّ أن يكون كما هو

بلا استعارة

 

أنزعُ ردائي

فينكشفُ المشهدُ على فقره الأنيق :

امرأةٌ واحدة

وصمتٌ لا يعرفُ كيف يزهر

 

أضعُ مفاتيحي

ولا يحدثُ ذلك الانكسارُ الذي أحبّ أن أُبالغ به في النصوص

لا بابَ يرتجف

ولا معدنَ يتواطأ مع الخيال

فقط صوتٌ صغيرٌ ينتهي عند حدّه

 

ثم أكتبك

وأمارسُ عليكَ خدعةَ اللغة :

أُلبسُ الفراغَ معطفكَ

وأُقنعُ النصَّ أنّ ما لا يرى أكثرُ كثافةً ممّا يرى

 

أضخّمُ غيابكَ حتى يبدو كائنًا

كي أبرّر ارتجافي أمام الورق

 

لكنّي أتعثّر في منتصف البلاغة

وأرى المشهدَ كلَّه كمنصّةٍ بلا ممثل

 

لا مطاردةَ في الغرفة

لا خنقَ للجدران

هذه أدواتي حين أحتاجُ أن أرفع العاديَّ إلى مقام القصيدة ، لا أكثر

 

والحقيقة ؟

أنا لا أختلقك لأتألم

أنا أستدعيك لأكتبك

لا أهرب منك في اللغة

أنا أقتربُ حدَّ أن أُربكَ الواقعَ بما يكفي ليتّسع لحنيني

 

وإن بدا النصُّ كذبًا متقنًا

فلأنّ أكثر ما فيه صدقًا

أنّني أحبّك أكثر ممّا تسمح به الحقيقة !

#رشآ_هشآم

___________________________________

 

" روحًا خرجتْ من الإبرة "

 

في البيتِ الذي يشبهها أكثرَ ممّا يشبهني

كانت أُمّي

تتقن خياطة القسوة كما

تنظّمُ غرز قماشٍ لا ينسى

تمسكُ الإبرةَ كأنّها تمسكُ حكمًا نافذًا

وتقول : هكذا تصبحينَ صالحةً للعالم

ولا أدري لِمَ كان العالم دائمًا

يشبهُ وخزةً مؤجّلة

أقربَ إلى إبرةٍ ،من أن يكونَ حياة

 

علّمتني الكروشية والخياطة

كطريقةٍ لإحصاءِ ما يتسرّبُ منّي ..

أن أدخلَ الخيط في فراغٍ صغير

وأبتسم

كأنّ الفراغ قد التئم

بينما كان يتّسعُ بهدوءٍ لا يرى

 

كانت الحياكة عندها

طقسًا دقيقًا لترويضِ ما لا يروّض

أن أتقنَ إغلاقَ الثقوبِ في القماش

وفي الصدر

وفي اللغة

 

حتى ابتسامتها !!

كانت تعلّقُ على وجهي كغرزةٍ أخيرة

تُعلّمني أن الوجعَ قد يبدو مهذّبًا

إذا أجيدَ ترتيبه على الشفاه

 

بعد رحيلها

بقيت الإبرة في يدي

باردةً ، كأنّها تبحثُ عن جسدٍ

لم يعد يؤمنُ بأنّ الرتقَ خلاص

 

اليوم !!

لم أعد تلك التي تُخاطُ لتنجو

أنا التي تفكُّ الخيوطَ واحدًا واحدًا

عن كلِّ ما حاولَ أن يعيدني إلى شكلِ الألم

 

ومن اقتربَ من قلبي بأذى

أعدتُ له ما تعلّمتُه كاملًا :

غرزةً لا تنسى

حدودًا لا تخترق

وروحًا خرجت من الإبرة !

#رشآ_هشآم

__________________________________

" ما لم أسمعهُ من أمّي "

 

كنتُ أغار من صديقاتي لأنّ أمّهاتهنّ يعاقبنهنّ بالخصام

أمّي كانت تعاقبني بالكلمات ،وكبرتُ وأنا أتعثّر بها

 

كلّما حاولتُ أن أحبّ نفسي ، خرج صوتها من مكانٍ ما في رأسي ليخبرني أنّني لا أجيد ذلك أيضًا

ومع هذا كلّه ..

كنتُ أفتّش عن عينيها أوّلًا في كلّ نجاح

أجرّ إليها أعوامي كما تجرّ طفلةٌ لعبتها المفضّلة

أضع بين يديها ما استطعتُ إنقاذه من نفسي

شهاداتي ، ونصوصي ، وكلّ نسخةٍ أفضل منّي

كطفلةٍ ما زالت تركض خلف بابٍ مغلق

 

ثمّ رحلت !

ورحل معها ذلك الباب

أنا الآن امرأة

يصفّق لي كثيرون ، ويقولون إنّني تجاوزتُ ما كان يجب أن يكسرني

لكنّهم لا يعرفون أنّ أقسى ما فعلته بي أمّي ليس ما قالته !

أقسى ما فعلته ..

أنّها رحلت قبل أن أسمع منها ، ولو مرّةً واحدة :

(أحسنتِ يا ابنتي )

#رشآ_هشآم

__________________________________

اعترافات ..

 

أعترفُ أنّني أغارُ على أشيائي بطريقةٍ تشبهُ الأمّهات حين يخفنَ على أطفالهنَّ من الهواء نفسه

وأنتَ أكبرُ أشيائي

أكثرُها التصاقًا بروحي

حتى إنّني أراقبُ المسافاتِ الّتي تقتربُ منك كما تراقبُ امرأةٌ نافذتها في حيٍّ مليءٍ باللصوص

 

أعترفُ أنّني حين يثقلُ شيءٌ صغيرٌ في صدري

أختفي

لأنّني أعرفُ جيّدًا كيف أرتّبُ فوضاي بيدي

وأعرفُ أنّ قلبي لا يجيدُ الاستنادَ طويلًا على أحد

أعودُ بعد ذلك بوجهٍ هادئ

كأنّني لم أبكِ داخلي ألفَ مرّة

كأنّني امرأةٌ تخيطُ جراحها تحت الطاولة ثمّ ترفعُ رأسها بابتسامةٍ لائقة

 

وأعترفُ أنّ حزني لا يحتاجُ كارثةً دائمًا

قد يكونُ نهارًا طويلًا

يشبهُ سلّمًا لا ينتهي

أو دوامًا يأكلُ صوتي بالتدريج

أو وجوهًا قاسيةً مرَّت بجانبي ..

أحيانًا أتعبُ فقط

من كثرةِ ما أفكّر إن كنتُ أسيرُ في الطريق الصحيح

 

أعترفُ أنّني أشتهي ، ولو مرّةً واحدة

أن أربحَ شيئًا من المحاولة الأولى

أن تصلَ الفرحةُ إليَّ وهي حيّة

دون أن أستنزفَ قلبي كاملًا في الطريق إليها

دون أن تتحوّلَ اللهفةُ إلى رمادٍ قبل الوصول ..

تعبتُ من الأحلامِ الّتي تحتاجُ أعمارًا كاملةً كي تُزهر

ومن الأشياءِ الّتي أصلُ إليها

بعد أن أفقدَ قدرتي على الاحتفال بها

كأنّ الحياةَ تمنحني ما أريد

بعد أن تنطفئَ يداي من التصفيق

 

وأعترفُ أيضًا

أنّني أخافُ من أن يُقرأ قلبي بسطحيّة

لهذا أكتبُ بكثافةِ امرأةٍ تُخبّئ الحقيقة داخل الاستعارات

وأضعُ روحي بين الكنايات

كي لا يلمسها أحدٌ بيدٍ عابرة ..

أنا تلك الّتي تبدو هادئةً

بينما في رأسها مكتبةٌ كاملةٌ من الأسئلة

وتبدو متماسكةً

كأنّها اعتادت أن تكونَ جيشَها الخاص

كلّما خذلتها الطمأنينة

.

.

أشبهُ فتاةً تقرأُ كتابًا قرب نافذة

تقلّبُ الصفحات ببطء

وتبحثُ في كلِّ سطرٍ

عن طريقةٍ أقلَّ قسوةً لفهم نفسها

 

فتاةً لا تريدُ حياةً ورديّة

ولا معجزاتٍ كبيرة

فقط قلبًا مطمئنًّا

لا يشعرُ أنّه في حربٍ كلَّ ليلة !

#رشآ_هشآم

___________________________________

كبرتُ قبل أن يكتمل اسمي في فم الطفولة

حين غابَ أبي

تركَ صوتهُ معلّقًا على مشجب المساء

وتركَ البابَ نصفَ مفتوحٍ

كأنّه سيعودُ ليكملَ الجملة

ولم يفعل

 

كنتُ كلّما عبرتُ الممرَّ

أخافُ أن أدوسَ على ظلهِ

فأوقظهُ من غيابه الثقيل

كنتُ أعدُّ فناجينَ القهوةِ

وأتركُ واحدًا لهُ

كي لا يشعرَ أنني صدّقتُ الرحيل .

 

ثم كبرتُ أكثر

حينَ تعبتْ أمّي

وانحنى الضوءُ في عينيها

كانت يداها

تغسلانِ العالمَ عن كتفيّ

كلَّ مساء

وحينَ توقفتا

تراكمت عليّ الحياةُ

كأطباقٍ لا تنتهي

ووقفتُ أمامها

طفلةً لا تعرفُ كيف تنظّفُ وجعها

 

رحلتْ

فصارَ البيتُ يتيمًا

وأنا أكبرُ من احتماله

أمشي فيهِ

كمن يمرُّ بين أشيائهِ المحطّمة

ويعتذرُ منها .

 

بعدهما

لم يعد أحدٌ يقتربُ مني

إلا ويذوبُ كشمعةٍ في ريحي

كأنّ في صدري لعنةً

تحوّلُ الدفءَ إلى غياب

وكلّ من أحبّ

يتحوّلُ إلى ذكرى

تؤلمني حين ألمسها

 

أخافُ أن أحبّ

فأفقد

أخافُ أن أطمئنّ

فأستيقظُ على فراغٍ جديد

حتى صرتُ أعدُّ الذينَ حولي

كما تُعدُّ المدنُ خسائرها بعد الحرب .

 

أنا المصابةُ بإحساسٍ حادّ

إذا همسَ لي بأن مكاني اهتزّ

أخلعُ قلبي بهدوء

أتركهُ على أقرب طاولةٍ

وأمضي

خفيفةً كأنني نجوت

ثقيلةً كأنني تركتُ نفسي هناك

 

صرتُ أعرفُ

أن النجاةَ لا تعني البقاء

وأنني كلّما نجوتُ

فقدتُ شيئًا آخر

كان يشبهني !

 

الأديبة والشاعرة السورية رشا هشام









تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة