U3F1ZWV6ZTI1Njc5MjIyMTQxNzc1X0ZyZWUxNjIwMDY3MzgzMTQwMA==

قراءة في قصيدة في حضرةِ البقاءِ.. امرَأةٌ مِنْ نُور ٍللشاعرة مارينا أراكيليان أرابيان بقلم أحمد بيطار


 

قراءة في قصيدة في حضرةِ البقاءِ.. امرَأةٌ مِنْ نُور ٍللشاعرة مارينا أراكيليان أرابيان بقلم أحمد بيطار

 

في حضرةِ البقاءِ.. امرَأةٌ مِنْ نُور ٍ

إلى ما بعدَ الغدِ..

حين أستعيرُ عينكَ الثالثةَ،

ليتحققَ الكشفُ وتنسدلَ الحُجُبُ.

لا تدمعُ العينَ، بل تصيرُ مرآةً تجلو الكونَ،

وفي تجلياتِ العشقِ أرى وجهَ الحبيبِ،

وعيني الأخرى لا ترى سوى النور.

أُحيلُ جمرَ العشقِ إلى صهوةٍ،

أمتطيها لأعبرَ مضيقَ الفناءِ نحو حضرةِ البَقاءِ.

أنسجُ من خيوطِ الحيرةِ أجنحتي،

لأعبرَ بها بحارَ العدمِ التي لا شطآن لها.

من خيوطِ الشمسِ أغزلُ عباءتي،

لأمشي في عتمةِ الكونِ باحثةً عن حقيقتي.

في طريقي..

أقتلعُ شوكَ الأنانية من دربي،

لأُمَهِد طريقاً تعبرُ منهُ أسراب الطيورِ

نحو سدرةِ اليقينِ.

أخرجُ من غياهبِ الوهمِ لأكسرَ أصنامَ القطيعِ،

أتأملُ في دائرةِ البرزخِ وهي تدورُ ولا تَبتَلعُني.

أطوي مسافاتِ الوهمِ،

وأنا أبحثُ عن قطرةِ الندى في جوفِ الشمسِ.

كطائرِ الفينيق، أحترقُ لأُبعثَ من رمادي نوراً،

وفي سكراتِ الوجدِ أذوبُ لأدرك سرَّ البقاءِ.

أغوصُ في بحرِ الفناءِ كغيمةٍ

تذوبُ في زرقةِ السماءِ، فلا يبقى منها سوى المطر.

أُحلّقُ فوق دوائرِ الوجودِ…

أُحلّقُ بجناحينِ من نورٍ وظلمة،

أدرك بهما أن التناقضات في الكونِ ليست سِوى

تجلٍ واحدٍ للحقيقة.

لا أحدَ من المارةِ يجرؤ على لمسِ ظلّي،

أو محاولةِ إطفاءِ النجومِ في عينيّ.

سيقفُونَ مذهولينَ،

ويهمسونَ بإعجابٍ مهيب: امرأةٌ مِن نورٍ،

تتغذى على معرفةِ الأزلِ.

فأنعكسُ نوراً يضيء عتمة التائهينَ،

وأغدو أنا الطَيَّرُ، والطريقُ، والوجهة.

ومن عمقِ الظلمةِ، يُزهر فجرُ الحقيقةِ المطلقةِ.

إلى ما بعدَ الغدِ..

سأستبدلُ صوتي بِصَدى الجبالِ،

لأبوحَ بما لا يُقالُ.

كلماتي الأرضيةُ: صاعقةٌ ترتجفُ لها الأرضُ.

وكلماتي العليا: لا تعرف الانحناءَ لصوتٍ غير صوتِ الحقّ.

إلى ما بعدَ الغدِ..

أستلهمُ رحلةَ العطّارِ في طلبِ الحقيقة،

وأحلّقُ فوق كبرياءِ الثعبانِ.

أغوص في بحر الفناءِ،

لأدرك أن سرَّ الكينونةِ يَكمُنُ في العَدمِ.

إلى ما بعدَ الغدِ..

أنسجُ من سكوني أجنحةً تفوقُ الوصفَ،

وأطوي الأوديةَ السبعةَ بحثاً عن سِرِّي.

أنا النورُ الذي تاه في سِيمُرغَ،

فذَابَ الطَّيرُ في الملكوتِ،

وصار الكلُّ في الكلِّ فناءً وتَجَلِّياً.

وفي فيافي الوَجْدِ ..

أنفضُ عن روحي غبارَ الترابِ،

وأرتدي سحابةً من نورٍ لا يَعتَرِيهَا الزَّوَالُ.

فلا الأيامُ تكسرُ أجنحتي،

ولا سكونُ العَدمِ يُميتُ يَقيني.

سأمشي شامخةً..

كَاروحٍ خرجت للتو من حضرةِ التكوينِ.

بكبرياءٍ لا يَنكسِرُ،

وعقلٍ لا يلينُ،

وحضورٍ يملأ الكونَ،

ومحبةٍ تفيضُ من ذاتي،

لتتجاوزَ إدراكَ البَشرِ.

بقلمي

مارينا أراكيليان أرابيان

 

 

 

يُعد نص   «في حضرة البقاء.. امرأةٌ من نور»   تجربةً أدبيةً ذات طابع صوفي وفلسفي، تتجاوز حدود الكتابة الوجدانية إلى فضاء التأمل الميتافيزيقي، حيث تتشابك مفاهيم الفناء والبقاء، والنور والظلمة، والعدم والكينونة، في نسيج لغوي كثيف بالإيحاء والرموز. إنه نص لا يكتفي بسرد تجربة ذاتية، بل يدعو قارئه إلى خوض رحلة روحية، تُصبح فيها الذات باحثةً عن الحقيقة المطلقة، لا عن المعنى العابر.

منذ العنوان، تضع الكاتبة المتلقي أمام مفارقة جمالية عميقة؛ فـ  «حضرة البقاء»   مصطلح يحمل أصداءً صوفية واضحة، بينما تأتي   «امرأة من نور»   بوصفها رمزًا للذات التي تجاوزت حدود المادة، وسعت إلى التشكل في هيئة إشراق روحي. وبهذا يصبح العنوان مفتاحًا لقراءة النص، لا مجرد تسمية له.

"إلى ما بعد الغد..."

وهي ليست إشارة زمنية بقدر ما هي إعلان عن تجاوز الزمن المألوف، والدخول في أفق تتعطل فيه المقاييس التقليدية. فـ«ما بعد الغد» هنا هو زمن الكشف، وزمن اكتمال الرحلة الداخلية، حيث تنتقل الذات من المعرفة الجزئية إلى البصيرة.

وتعتمد الكاتبة على معجم صوفي غني بمفردات مثل:   التجلي، الفناء، البقاء، البرزخ، اليقين، الوجد، الحقيقة، الملكوت  ، وهي مفردات لا ترد بوصفها زخارف لغوية، وإنما تشكل البنية الفكرية للنص. ويكشف هذا الحضور عن ثقافة أدبية وروحية واضحة، تستلهم التراث الصوفي، مع إعادة صياغته في لغة معاصرة تحتفظ بفرادتها.

ومن أبرز سمات النص كثافة الصورة الشعرية واتساع أفقها الرمزي. ففي قولها:

"أنسج من خيوط الحيرة أجنحتي،

لأعبر بها بحار العدم التي لا شطآن لها."

تتحول الحيرة من حالة سلبية إلى مادة للارتقاء، ويصبح العدم فضاءً لا للفقد، بل لاكتشاف الذات. إنها صورة تُجسد أحد أهم مفاهيم التجربة الصوفية، حيث يكون الشك بداية المعرفة، لا نقيضها.

كما أن حضور   النور   في النص لا يأتي بوصفه عنصرًا بصريًا، بل باعتباره رمزًا للمعرفة والإشراق. فالكاتبة تبني عالمها على جدلية النور والظلمة، لكنها لا تجعل العلاقة بينهما علاقة صراع، وإنما علاقة تكامل، كما يتجلى في قولها:

"أُحلّق بجناحين من نورٍ وظلمة،

أدرك بهما أن التناقضات في الكون ليست سوى تجلٍ واحدٍ للحقيقة."

وهذه الرؤية تمنح النص بعدًا فلسفيًا يتجاوز الثنائية التقليدية بين الخير والشر أو النور والعتمة، ليؤكد أن الحقيقة أوسع من الانقسامات الظاهرة.

ويكتسب النص بعدًا ثقافيًا إضافيًا من خلال استدعاء رموز صوفية وأسطورية ذات دلالات عميقة، مثل   رحلة العطار   و  السيمرغ   و  طائر الفينيق   و  سدرة اليقين  . غير أن هذه الرموز لا تُستحضر على سبيل الاستعراض المعرفي، بل تندمج في التجربة الشعورية للنص، فتتحول إلى محطات في رحلة الذات نحو الاكتمال الروحي. ويُحسب للكاتبة أنها استطاعت توظيف هذه الإشارات في سياق عضوي، دون أن تفقد النص وحدته.

أسلوبيًا، يميل النص إلى   قصيدة النثر ذات النفس الصوفي  ، حيث يغيب الوزن الخليلي لتحضر الموسيقى الداخلية القائمة على التكرار، والإيقاع الدلالي، وتوازي الجمل. ويتكرر المقطع:

«إلى ما بعد الغد...»

بوصفه لازمةً إيقاعيةً تمنح النص حركة تصاعدية، وتؤكد أن الرحلة لم تبلغ نهايتها بعد، بل ما تزال مفتوحة على آفاق الكشف.

كما تتسم اللغة بثراء استعاري واضح، إذ تتحول المفاهيم المجردة إلى كائنات حية؛ فالحيرة تُنسج، والشمس تُغزل، والعدم يُغاص فيه، والظلمة تُزهر، وهو ما يمنح النص طاقة تخييلية عالية، ويجعل القارئ يعيش التجربة أكثر مما يقرأها.

ورغم كثافة الرموز والإحالات الفلسفية، يحافظ النص على خيط وجداني واضح، يتمثل في توق الذات إلى التحرر من أوهام العالم، والبحث عن حقيقة أسمى تتجاوز حدود الأنا. وهذه النزعة تمنح النص طابعًا إنسانيًا، فلا يبقى حبيس التأمل النظري، بل يتحول إلى تجربة روحية قابلة للتفاعل والتأويل.

يشكل نص   «في حضرة البقاء.. امرأةٌ من نور»   تجربة أدبية متميزة، تتقاطع فيها الشعرية مع الرؤية الصوفية، والفلسفة مع الإبداع. وقد استطاعت الأديبة   مارينا أراكيليان أرابيان   أن تبني نصًا ثريًا بالرموز، متماسكًا في رؤيته، متدفقًا بصوره، وأن تجعل من اللغة وسيلةً للكشف، لا مجرد أداة للتعبير. إنه نص يراهن على قارئ يمتلك حسًّا تأمليًا، ويؤمن بأن الأدب الحقيقي لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يفتح أبواب الأسئلة الكبرى، ويقود الروح في رحلة متجددة نحو النور، حيث يصبح الفناء بدايةً للبقاء، وتغدو المعرفة أعلى مراتب الحرية.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة