صرخة الأحرار: حين تصبح حياة الأسرى أمانة في أعناق الأمة
ليست هذه الكلمات ترفًا في زمنٍ يموج بالألم، ولا هي مقالٌ يُكتب ليُقرأ ثم يُطوى، بل هي صرخةٌ تُنتزع من أعماق القلب، لتوقظ ما تبقى من ضميرٍ حي، وتعيد إلى الذاكرة حقيقةً حاولت الأيام أن تُغرقها في زحام الأخبار: أن هناك أمةً تُختبر، وأن هناك رجالًا ونساءً خلف القضبان يدفعون ثمن كرامتنا جميعًا.
حين نتحدث عن الأسرى الفلسطينيين، فنحن لا نتحدث عن ملفٍ سياسي، ولا عن قضيةٍ مؤقتة، بل عن مأساةٍ إنسانيةٍ مستمرة، عن حكاية شعبٍ يُعاقب لأنه أراد أن يكون حرًا، وعن أناسٍ انتُزِعوا من بيوتهم ليعيشوا سنواتٍ من القهر، دون أن تنكسر إرادتهم. هؤلاء الأسرى ليسوا أرقامًا تُحصى، بل هم حياةٌ معلقة، وأحلامٌ مؤجلة، وكرامةٌ تُدافع عن نفسها في أضيق الأماكن.
تخيلوا معي تلك اللحظة…
ليلٌ ثقيل، وهدوءٌ يلفّ البيوت، وأطفالٌ نائمون في دفء عائلاتهم، وفجأةً تُكسر الأبواب، تُقتحم البيوت، يُسحب الأب أو الابن أو الأم أمام أعين أحبّتهم، دون وداعٍ حقيقي، دون تفسيرٍ واضح، فقط صراخٌ، ودموع، وصمتٌ طويل يبدأ بعد الرحيل. تلك ليست مشاهد من فيلم، بل واقعٌ يتكرر، ليصنع جرحًا لا يندمل.
ثم تبدأ رحلة الأسر…
زنازين ضيقة، جدران صامتة، وقتٌ ثقيل، وحرمانٌ من أبسط الحقوق. هناك، لا يعود الإنسان مجرد فرد، بل يصبح رقمًا في نظامٍ قاسٍ، يُحرم من الزيارة، من العلاج، من رؤية السماء كما ينبغي. ومع ذلك، يرفض الأسرى أن يتحولوا إلى أرقام. يدرسون، يكتبون، يحلمون، ويُعيدون تعريف الحرية حتى وهم مقيدون.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو حين يصل الأمر إلى تهديد الحياة نفسها، حين يُطرح الحديث عن قوانين تستهدف وجودهم، وكأن حياة الإنسان يمكن أن تكون مادةً للنقاش، أو ورقةً في لعبة السياسة. هنا، لا يعود الصمت ممكنًا، ولا الحياد مقبولًا، لأن المسألة لم تعد قضية اعتقال، بل قضية وجود.
أيها العرب…
أيها المسلمون…
أين أنتم من هذا كله؟
ألسنا أمةً واحدة؟
ألسنا نحمل همًا مشتركًا؟
كيف أصبحنا نرى الألم ولا نتحرك، نسمع الصراخ ولا نجيب، نتابع المشهد وكأنه لا يعنينا؟
إن ما يحدث اليوم ليس اختبارًا للفلسطينيين وحدهم، بل اختبارٌ لنا جميعًا. اختبارٌ لما تبقى فينا من إنسانية، ومن انتماء، ومن قدرة على الشعور. فالأمة التي لا تهتز لآلام أبنائها، تفقد تدريجيًا قدرتها على الحياة.
لقد تعودنا، مع الأسف، على تحويل القضايا الكبرى إلى أخبارٍ عابرة، نقرأها ثم ننتقل إلى غيرها، وكأنها لا تستحق التوقف. لكن الحقيقة أن كل خبرٍ عن أسير، هو عالمٌ كامل من المعاناة. كل رقمٍ يُذكر، هو إنسانٌ له اسم، ووجه، وقصة، وأمٌ تنتظره.
إن الأم التي تودع ابنها إلى السجن، لا تعيش حياةً طبيعية بعد ذلك. كل يومٍ يمر، هو انتظار، وكل خبرٍ تسمعه، هو خوف، وكل ليلةٍ تنامها، هي دعاء. فكيف إذا تحول هذا الانتظار إلى خوفٍ من فقدانه نهائيًا؟ كيف يمكن لقلبٍ أن يحتمل ذلك؟
وهناك الطفل…
ذلك الذي يسأل عن أبيه، فلا يجد جوابًا يشفي فضوله. يكبر وهو يحمل غيابًا، يتعلم الحياة دون سندٍ كامل، ويكبر السؤال معه: لماذا؟
هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هي جوهر القضية. لأننا حين نتحدث عن الأسرى، فنحن نتحدث عن مجتمعٍ كامل يتأثر، عن أجيالٍ تنشأ على الألم، وعن ذاكرةٍ جماعيةٍ تُثقلها الخسارات.
أيها الأحرار…
إن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق الحكومات فقط، بل على عاتق الشعوب أيضًا. فالتاريخ لم يُكتب يومًا بقرارات القادة وحدهم، بل بإرادة الناس، بوعيهم، بمواقفهم، بصوتهم الذي يرفض أن يُخمد.
قد يقول البعض: ماذا نستطيع أن نفعل؟
والجواب: الكثير.
نستطيع أن نُبقي القضية حيّة، أن نرفض نسيانها، أن نُعلّم أبناءنا حقيقتها، أن نستخدم الكلمة كسلاح، وأن نحول الوعي إلى قوة. فكل تغييرٍ كبير، بدأ بفكرة، بكلمة، بموقف.
إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه، هو الاعتياد. أن نعتاد الظلم حتى لا نراه، أن نعتاد الألم حتى لا نشعر به، أن نعتاد الأخبار حتى نفقد حساسيتنا تجاهها. حينها، لا يكون الخطر في ما يحدث فقط، بل في ما أصبحنا عليه.
لكن رغم كل هذا، هناك أمل…
نعم، هناك أمل، لأن هناك أسرى لم يستسلموا، لأن هناك شعوبًا ما زالت تنبض، لأن هناك أصواتًا ترفض الصمت. والأمل ليس شعورًا سلبيًا، بل هو فعل، هو قرار بأن نستمر، بأن لا نستسلم، بأن نؤمن أن التغيير ممكن.
إن الأسرى، وهم خلف القضبان، يقدمون لنا درسًا يوميًا في الصمود. فكيف بنا نحن خارجها؟ كيف نقبل لأنفسنا أن نكون أقل منهم إيمانًا، أو أضعف منهم إرادة؟
أيها القارئ…
هذه ليست مجرد كلمات، بل دعوة. دعوة لأن تكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من الصمت. لأن تدرك أن لكل موقفٍ قيمة، ولكل صوتٍ أثر، وأنك، مهما شعرت بصغر دورك، تملك القدرة على أن تُحدث فرقًا.
في زمنٍ تختلط فيه الأصوات، وتضيع فيه الحقائق، يبقى الموقف الصادق هو البوصلة. فاختر أن تكون مع الإنسان، مع الحق، مع الكرامة.
وفي الختام…
إن قضية الأسرى ليست قضية شعبٍ فقط، بل قضية أمة، وقضية ضمير. وإن التاريخ، الذي يسجل كل شيء، لن ينسى من وقف، ولن يغفر لمن صمت.
فلتكن هذه الكلمات بداية، لا نهاية. بداية وعيٍ جديد، بداية موقفٍ مختلف، بداية طريقٍ نحو حريةٍ يستحقها كل إنسان.
ولنُدرك جميعًا أن الحرية لا تُهدى، بل تُنتزع، وأن الكرامة لا تُطلب، بل تُصان، وأن الأمة التي تريد أن تعيش، لا بد أن تدافع عن أبنائها… مهما كان الثمن.
أحمد بيطار

إرسال تعليق